ولتصحيح اتجاهات القلب، وضمان تجرده من الأهواء الصغيرة، قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرتة إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاتجر إليه"إن ألوف المسافرين يقطعون المسافة بين مكة والمدينة، لأغراض شتى ولكن نية الانتصار للدين والحياة به، هى التى تفرق بين المهاجر والمسافر! وإن كانت صورة العملين واحدة! فمن ترك مكة إلى المدينة، فرارا بدينه من الفتن، وإقامة لصرح الدولة الجديدة في بلدها الجديد، فهو المهاجر، وأما من رحل لشئون أخرى فليس من الهجرة في شىء. إن صلاح النية وإخلاص الفؤاد لرب العالمين، يرتفعان بمنزلة العمل الدنيوى البحت، فيجعلانه عبادة متقبلة. وإن خبث الطوية، يهبط بالطاعات المحضة، فيقلبها معاصى شائنة فلا ينال المرء منها، بعد التعب في أدائها؛ إلا الفشل والخسار. قد يبنى الإنسان قصرا منيف الشرفات، فسيح الردهات، وقد يغرس حديقة ملتفة الأغصان متهدلة الأثمار، وهو بين قصره المشيد، وبستانه النضيد، يعد من ملوك الدنيا. بيد أنه إذا قصد من وراء بنيانه وغراسه نفع الناس، كان له فيهما ثواب غير مقطوع. قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"من بنى بنيانا في غير ظلم ولا اعتداء أو غرس غرسا في غير ظلم ولا اعتداء، كان له أجرا جاريا، ما انتفع به أحد من خلق الرحمن تبارك وتعالى". وقال:"ما من مسلم يغرس غرسا، أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان إلا كان له به صدقة". بل إن اللذاذات التى تتشهاها النفس، إذا صاحبتها النية الصالحة والهدف النبيل، تحولت إلى قربات. فالرجل يواقع امرأته، يريد أن يحفظ عفافه ويصون دينه، له في ذلك أجر"وفى بضع أحدكم صدقة". ص _063