والأمانة تقضى بأن نصطفى للأعمال أحسن الناس قياما بها، فإذا ملنا عنه إلى غيره ـ لهوى أو رشوة أو قرابة ـ فقد ارتكبنا ـ بتنحية القادر وتولية العاجز ـ خيانة فادحة. قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"من استعمل رجلا على عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه ، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين"وعن يزيد بن أبى سفيان: قال لى أبو بكر الصديق حين بعثني إلى الشام: يا يزيد ، إن لك قرابة عسيت أن تؤثرهم بالإمارة، وذلك أكثر ما أخاف عليك بعد ما قال رسول الله:"من ولى من أمر المسلمين شيئا فأمر عليهم أحدا محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل منه صرفا ولا عدلا حتى يدخله جهنم"والأمة التى لا أمانة فيها، هى الأمة التى تعبث فيها الشفاعات بالمصالح المقررة، وتطيش بأقدار الرجال الأكفاء، لتهملهم وتقدم من دونهم، وقد أرشدت السنة إلى أن هذا من مظاهر الفساد، الذى سوف يقع آخر الزمان."جاء رجل يسأل رسول الله: متى تقوم الساعة؟ فقال له: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة ! فقال: وكيف إضاعتها؟! قال: إذا وُسد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة". ومن معانى الأمانة أن يحرص المرء على أداء واجبه كاملا في العمل الذى يُناط به، وأن يستنفد جهده في إبلاغه تمام الإحسان، أجل إنها لأمانة يمجدها الإسلام: أن يخلص الرجل لشغله وأن يعنى بإجادته، وأن يسهر على حقوق الناس التى وُضعت بين يديه، فإن استهانة الفرد بما كُلف به ـ وإن كان تافها ـ تستتبع شيوع التفريط في حياة الجماعة كلها، ثم استشراء الفساد في كيان الأمة وتداعيه برمته. وخيانة هذه الواجبات تتفاوت إثما ونكرا وأشدها شناعة، ما أصاب الدين، وجمهور المسلمين، وتعرضت البلاد لأذاه. قال رسول الله:"إذا جمع الله بين الأولين والآخرين يوم القيامة، يُرفع لكل غادر لواء يُعرف به! فيُقال: هذه غدرة فلان"ص _044