وكذلك شوهدت مخايل الأمانة على موسى حين سقى لابنتى الرجل الصالح ورفق بهما، واحترم أنوثتها، وكان معهما عفيفا شريفا: (فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير * فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين * قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين) . وقد حدث هذا قبل أن ينبأ موسى ويرسل إلى فرعون. ولا غرو فرسل الله يختارون من أشرف الناس طباعا، وأزكاهم معادن، والنفس التى تظل معتصمة بالفضيلة ـ على شدة الفقر ووحشة الغربة ـ هى لرجل قوى أمين! والمحافظة على حقوق الله وحقوق العباد، تتطلب خلقا لا يتغير باختلاف الأيام بين نعمى وبؤس، وذلك جوهر الأمانة. * * * * من معانى الأمانة وضع كل شىء في المكان الجدير به، واللائق له، فلا يسند منصب إلا لصاحبه الحقيق به، ولا تملأ وظيفة إلا بالرجل الذى ترفعه كفايته إليها. واعتبار الولايات والأعمال العامة أمانات مسئولة ثابت من وجوه كثيرة: فعن أبى ذر قال: قلتُ يا رسول الله ألا تستعملنى؟ قال: فضرب بيده على منكبى، ثم قال: يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزى وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذى عليه فيها". إن الكفاية العلمية أو العملية ليست لازمة لصلاح النفس، قد يكون الرجل رضى السيرة حسن الإيمان، ولكنه لا يحمل من المؤهلات المنشودة ما يجعله منتجا في وظيفة معينة. ألا ترى إلى يوسف الصديق؟ إنه لم يرشح نفسه لإدارة شئون المال بنبوته وتقواه فحسب، بل بحفظه وعمله أيضا: (قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) وأبو ذر لما طلب الولاية لم يره الرسول جلدا لها فحذره منها. ص _043"