الصفحة 14 من 209

وقد أمر الله المسلمين أن يقتدوا به في طيب شمائله وعريق خلاله فقال: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) . قال القاضى عياض: كان النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس، لقد فزع أهل المدينة ليلة، فانطلق ناس قبل الصوت، فتلقاهم رسول الله راجعا، قد سبقهم إليه واستبرأ الخبر، على فرس لأبى طلحة عُرْى، والسيف في عنقه، وهو يقول: لن تُراعوا. وقال على رضى الله عنه: إنا كنا ـ إذا حمى البأس واحمرت الحدق ـ نَتَّقى برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فما يكون أحد أقرب إلى عدو منه. وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: ما سئل النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: لا. وقد قالت له خديجة:"إنك تحمل الكل وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق". وحمل إليه سبعون ألف درهم، فوضعت على حصير، ثم قام إليها يقسمها، فما رد سائلا، حتى فرغ منها. وجاءه رجل فسأله، فقال له: ما عندى شىء، ولكن ابتع علىَّ، فإذا جاءنا شىء قضيناه، فقال له عمر: ما كلفك الله ما لا تقدر عليه! فكره النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أنفق ولا تخف من ذى العرش إقلالا ، فتبسم ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وعُرف البشر في وجهه، وقال: بهذا أُمِرتُ. وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يؤلف أصحابه ولا ينفرهم، ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم. ويحذر الناس ويحترس منهم، من غير أن يطوى عن أحد منهم بشره ولا خلقه. يتفقد أصحابه ويعطى كل جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه مَن جالسه، أو قاربه لحاجة صابرهُ، حتى يكون هو المنصرف عنه. ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها، أو بميسور من القول. قد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق سواء. وكان دائم البشر، سهل الطبع، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب، ولا فحاش ولا عتَّاب، ولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت