الصفحة 126 من 159

أكَلَ قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا!؛ وَوَفْرُ الغِنَى لا يَرْبَحُهُ حَتَّى يَنَامَ! ... لا تَقُلْ لِماذا كانَتْ الأَيّامُ الأولَى خَيرًا مِن هَذهِ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ عَنْ حِكْمَةٍ تَسْألُ عَنْ هَذا!! ... ما كانَ فَهُوَ ما يَكُونُ؛ والذي صُنِعَ فَهُوَ الذِي يُصْنَعُ، فَلَيْسَ تَحْتَ الشَّمْسِ جَديد!، إنْ وُجِدَ شَيْءٌ يُقالُ لَه: انْظُرْ؛ هذا جَديد!، فَهُوَ مُنْذُ زَمانٍ كانَ فِي الدهُورِ التِي قَبْلَنا). انْتَهى.

أَفَتَرَى ما نَحْنُ فِيهِ يَعْزُبُ عَنْ هذا قِيدَ أُنْمُلَةٍ أَو مِثْقالَ ذَرَّة، ودُونَكَ إنْ شِئْتَ (مَرْجانَ) و (جُمانَةَ) فاسْمَعْ مِنْهُما تَصْدِيقَ ما أَقُول.

-إِيذَنْ لِي أنْ أتَقَدَّمَ (مَرْجانَ) بالحَديثِ يَا سَيِّدِي، فَقَدْ حَضَرَنِي مِن العِلْمِ لَمّا سِمِعْتُ حديثَ (ياقُوتٍ) ما أَخافُ فَواتَهُ بِعارِضِ النِّسْيانِ!؛ أوْ بَعْضِ نَوائِبِ الحَدثان ...

إِنَّما مَثَلُ مَا نَحْياهُ فِي دُنْيانَا؛ كَمَثَلِ ما يُحْكَى عَنِ السَّاسانِيِّينَ فِي الحِيَلِ؛ أَنَّهُمْ كانُوا إِذا أَرَادُوا الاحْتِيالَ لِجَمْعِ المالِ انْقَسَمُوا إِلَى فَرِيقَيْنِ، وَاتَّفَقُوا بِينَهُمْ عَلى أَنْ يَنْطَلِقَ الفَريقُ الأَوَّلُ إِلَى مَجْمَعٍ مِن الناسِ فُرَادَى؛ كَأَنَّهُمْ لا صِلَةَ لأَحَدِهِمْ بالآخَر!، ويَعْمِدُ الفَريقُ الثانِي إلَى قِرْدٍ مِن القِرَدَةِ فَيُلْبِسُونَهُ أَحْسَنَ ما وَجَدُوا مِن الثياب!؛ ثُمَّ يُحِيطُونَ بِهِ سائِرِينَ إلَى ذلكَ المَجْمَعِ ويَاتُونَ بَابَهُ فَيَقِفُونَ عِنْدَه.

أَمَّا الفَرِيقُ الأَوَّلُ فَيَتَحَيَّنُ خَطِيبٌ مِنْهُمْ مُفَوَّهٌ - انْتُخِبَ لِهَذِهِ المُهِمَّةِ - فُرْصَةً تُواتِيهِ؛ فَيَقُومُ عَلَى رُؤُوسِ الجَمْعِ ويَقُول:

أَيُّها الناسُ!؛ إِنَّ الأَمِيرَ المُحْسِنَ الكَبِيرَ؛ والعَلَمَ الشَّهْمَ الخَطِيرَ!؛ (فُلانَ بنَ فُلان) ، مَنْ عَمَّ خَيْرُهُ البَرِيَّة؛ ومَنْ لا تَزَالُ أَوْصافُهُ بِكُلِّ مَنْقَبَةٍ حَرِيَّةً، ما فَتِئَ يُولِي المُحْتاجِينَ إكْرامَهُ وإنْعامَهُ، حَتَّى أَضْحَى لِكُلِّ فَاعِلِ خَيْرٍ قُدْوَتَهُ وإِمامَه!، ولَمْ يَصُدَّهُ عَنْ ذلكَ ما رَكِبَهُ مِن الدُّيُون؛ ولا ثَنَاهُ عَنْهُ أَنْ تَذْهَبَ بِهِ المَذاهِبَ الظُّنُون!، حَتَّى كانَ ما كانَ مِمَّا قَضَى اللهُ لَهُ وقَدَّر؛ وطالَبَتْهُ أَمِيرَةٌ ثَرِيَّةٌ بِما لَها مِن الدَّيْنِ عَلَيْهِ، وَحَدَّتْ لِذلكَ أَجَلًا لاَ ثَانِيَ لَه، وإلاَّ سَألَتْ سَاحِرًا مِن سَحَرَتِها أَنْ يَمْسَخَهُ قِرْدًا!!، ولَكِنَّهُ عَجِزَ وَصَنَعَتْ!، وَأنا أُناشِدُ بِاللهِ رَجُلًا كانَ للأمِيرِ المُبْتَلَى عَلَيْهِ يَدٌ أَوْ مِنَّةٌ إِلا أَعْطَى مِن ماَلِهِ ما تَجُودُ بِهِ نَفْسُهُ، وها أَنا أَدْعُوا الأَمِيرَ خَلَّدَ اللهُ مُلْكَهُ! لِيَمْثُلَ بَينَ أَيْدِيكِم.

ثُمَّ يَنادِي الجَمْعَ الواقِفَ بالبابِ؛ فَيَدْخُلُونَ ومَعَهُمْ القِرْدُ الذِي ذَكَرْناهُ، فَلا تَقَعُ عَلَيْهِ أَعْيُنُ المُنْبَثِّينَ بَيْنَ الناسِ مِن الفَرِيقِ الأَولِ إِلا وتَبَادَرُوا إِلَيْهِ؛ وتَباكَوْا بَيْنَ يَدَيْهِ! ... .

فَيقُولُ قائلٌ مِنْهمْ: رَحْمَةً لَكَ أَيُّها الأَمِير؛ ما عَرَفْتُكَ إلا بَرًّا كَرِيمًا، قَضَيْتَ دَيْنِي وَسَدَدْتَ خَلَّتِي!، ثُمَّ يُخْرِجُ ما مَعَهُ مِن مالٍ ويَدْفَعُهُ إلَى القَيِّمِ عَلَيْهِ.

ويَقُولُ آخَرُ يَرْثِيه: لكَ اللهُ يا مَوْلايَ! فِي أُولاكَ وأُخْراكَ؛ ولَوْلاكَ لَكانَ وَلَدِي فِي القُبُور، ولَما اكْتَحَلَتْ عَيْنايَ بَمَرْآهُ إلَى يَومِ النشُورِ، فَلَو كانَ لِي أنْ أَفْدِيَ أَحَدًا بِنَفْسِي ومَالِي لَكُنْتَ أَولَى الناسِ! بِذلكَ، ثُمَّ يَنْزِعُ عَنْهُ ثِيابَهُ ومَا فِي مِنْطَقَتِهِ مِن الدّراهِمِ والدَّنانِيرِ فَيْرِمِي بِها إلَيْه.

ولا يَزَالُ يَبْكِيهِ مِن المُحْتالِينَ المُنْبَثِّينَ ثالِثٌ؛ ورَابِعٌ؛ وَخامِس؛ ... ؛ حَتَّى لا يَبْقَى رَجُلٌ فِي الجَمْعِ إلاَّ انْطَلَتْ عَلَيْهِ الحِيلَةُ ورَثَى لِحالِهِ؛ وخَرَجَ لَهُ عَنْ جِميعِ مَالِهِ!، ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ عَنْهُ؛ فَلا تَسْمَعُ رَجُلًا إِلاَّ وهُوَ يَقُول: كانَ اللهُ لِسَيِّدِنا الأمِير!!.

هَكَذا كَلُّ ما يَقَعُ فِي حَياتِنَا؛ وماَ نَرَاهُ مِنْ حَوْلِنا!، وَما عَسَى الواحِدُ مِنّا أَنْ يَصْنَعَ فِي هَذا، ولَيْسَ للمَرْءِ فِي مَحْتُومِ القَضاءِ والقَدَرِ إِلاَّ أنْ يُسَلِّمَ ويَرْضَى!.

-تَبًّا لَكُما ولِفَهْمَيْكُما سَائِرَ اليَومِ يَا (جُمانَة) !، لَقْدْ أَخْطَأَكُما رَبِيعُ الفَهْمِ وبُؤْتُما بَخَرِيفِهِ!، أَو تَحْسَبانِ ما قُلْتُماهُ يُغْنِي عَنْكُما شَيئًا؟!، لَقَدْ وَهِلْتُما وظَنَنْتُما كُلَّ ما يُنْسَبُ إلَى الحِكْمَةِ فَهُوَ مِنْها، والعَجَبُ أنَّ فَرْقَ ما بَيْنَ الحِكْمَةِ والعَجْزِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت