مِنّا وَاحِدٌ ومِنْكُمْ أَلْفٌ ولاَ ضَيْر!، وهَكَذا عَهْدُنَا يَا عَبِيدَ البَدَنِ ويا أَحْرارَ الثِّيابِ بِآبائِنَا وآبائِكِمُ!، عَدِمْنا خَيْلَنا وَلا كُنّا؛ إنْ لَمْ تَرَوْنا عَلَى آثارِهِمْ وَقْعَ الحافِرِ علَى الحافِر، واسْتَنْطِقُوا التارِيخَ - كَمْ مِن الأَعْمارِ والأوقاتِ بُذِلَتْ فِي الذَّبِ عَنْ دِينِنَا الذِي جَعَلَهُ اللهُ خاتَمَ الأَدْيانِ وخَيْرَها!؛ هَلْ خَلَّيْناهُ لِعَبَثِ العابِثِينَ واللاعِبِين؟!، ولا وَاللهِ لاَ نُنَازِلُكُمْ بِعَدَدٍ ولا عُدُّةٍ، وإِنَّما هُوَ اللهُ تَعالَى يُعِزُّ مَنْ يَشاءُ ويُذِلُّ مَنْ يَشاء، ثُمَّ هِي أَعْمالُنَا؛ فَما حُمِدَ مِنْها فَذلكَ فَضْلُ اللهِ وَحْدَه؛ ومَا كانَ غَيْرَ ذلكَ فَدِينُنا مِنْهُ بَرَاء، وما نَحْنُ وَأنْتُمْ بِسواء.
فَرُبَّما نَادَانِي العَبْدُ (يَاقُوتُ) فِي بَعْضِ تِلْكَ المَواطِنِ: حَنَانَيْكَ يا سَيِّدي! بَعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِن بَعْض، فَما الدُّنْيا سِوى ساعَاتٍ وَتَنْقَضِي!!، لَقَدْ بَلَغْتُ مِن الكِبَرِ عِتِيّا؛ وَجَرَّبْتُها سِنِينَ دَأَبًَا! فَما وَجَدْتُ غَيْرَ وَهْمٍ زَائِلٍ وظِلٍّ حَائِل!، كَمْ خَفَضَتْ مِن سَيِّدٍ ورَفَعَتْ مِن وَضِيع!، سِيَّانِ عِنْدَها شُجاعٌ وجَبانٌ؛ وعالِمٌ وجَاهِل، وغَنِيٌّ وفَقِير، وآمِرٌ ومَامُور!، وإِنَّما لَكَ مِنْها ما مَتَّعْتَ بِهِ ناظِرَيكَ؛ أَوْ شَمَمْتَهُ بِأَنْفِكَ؛ أَو سَمِعْتَهُ بِأُذُنَيك! ...
صَدِّقْنِي يَا سَيِّدِي؛ لا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ يَطْعَمُ فِيها يابِسَ الخُبْزِ والماءِ؛ وبَيْنَ مَنْ يُتْخَمُ بِأَلْوانِ الطعَامِ تُرْفَعُ مِن بَينِ يَدَيْهِ صَحْفَةٌ وَتُوضَعُ أُخْرى!، وهَلْ سَعْيُ طُلاَّبِها إِلاَّ إلَى بَيْتٍ يَسْكُونَهُ؛ أَوْ غَادَةٍ حَسْناءَ رَزِينَة، أَوْ طَعامٍ يَاكُلُونَه!، بَلْ لا وَزْنَ لِذلكَ كُلِّهِ إلاّ إذَا كانَ المَرءُ فِي مَامَنٍ مِن داءِ الذِّئْبِ (الجوع) سَلِيمَ الفُؤَادِ مِن لَجَاجَتِهِ!، فَعادَتْ غَايَةُ اللذَّةِ كَما تَرَى إلَى طَرَفِ اللسانِ!، أَفَتَسْتَحِقُّ الحَياةُ هذا العَناءَ والكَدْحَ الذي لا يُفارِقُ الإنْسانَ مِن مَهْدِهِ إلَى لَحْدِه؟!.
-لَقَدْ كُنْتُ أَخَالُكَ يا يَاقُوتُ اسْمًا يُوافِقُ مُسَمَّاهُ، وظاهِرًا يُنْبِئُ عَنْ مَعْناه، ومَا حَكَى ابْنُ بَطُّوطَةَ وغَيْرُهُ نِسْبَةَ اليَاقُوتِ لِجَبَلِ (الرَّاهُونِ) فِي الجَزِيرَةِ الهِنْدِيَّةِ - التِي زَعُمُوا أَنَّها مَهْبِطُ آَدَمَ - سَرَنْدِيبَِ، إِلاَّ لِجَوْهَرَهِ النادِرِ العَجِيب!، وعَهْدِي بِالحِكْمَةِ وَهِيَ صَوتُ الشُّيُوخِ؛ فَمالَكَ قَدْ حَضَرَكَ مِنْها شَيءٌ وغَابَتْ عَنْكَ أَشْياءُ!، فَهَلْ أَنْتَ إِلاَّ كَمَنْ وَقَعَ عَلَى جَناجِ طائِرٍ فَحَسِبَهُ الطائِرَ بِكَمالِهِ؛ فَصارَ كُلَّما سُئِلَ عَنْ هَيئَةِ الطائِرِ وَصَفَ للسائِلِ جَناحَهَ!!.
-هَكَذا عَلَّمَتْنِي الحَياةُ يَاسَيِّدِي!؛ أَنْ أُعْلِقَ دُونَها كُلَّ بَابٍ تَلِجُ عَلَيَّ مَتاعِبُها مِنْه، وَأَنْ أَحيدَ عَنْ كُلِّ ما أَقْبلَ مِن رِياحِها أوْ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذا تَعاظَمَتْ شَدَائِدُها وكَنْتُ والناسُ فِيها عَلَى سَواءٍ هَانَ الخَطْبُ وخَفَّ مَحْمَلا؛ وكانَ لِكُلٍّ مِنَّا عَزاءٌ فِيما يَصِيبُ صاحِبَه!.
_ لاَ زِلْتُ أسْمَعُ يا ياقوتُ أنَّ الساكِتَ يُحْسَبُ حَكِيمًا!، ومَنْ ضَمَّ شَفَتَيهِ ظَنَّهُ الناسُ فَهِيمًا!، فَسُبْحانَ مَنْ جَعَلَ اللسَانَ كَشَّافًا عَنْ مُخْبُوءٍ الجَنانِ!؛ لِتَتَمَيَّزَ بِذلكَ مَعادِنُ الناسِ وتَتَبايَنَ أَقْدارُهُمْ، ولَوْ كُنْتَ دَعَوتَنِي لأَزْهَدَ فِي دُنْيا هِيَ أَنْفَعُ لِي وللناسِ مِن دُنْيا تَدْعُونِي إلَيْها لَكانَ ذلكَ مِنْ بَرَاحِ الرَّايِ وفَائِلِهِ (البراح: المُنْكَرُ؛ والفائل: الخَطَأ) لا مِنْ صَوَابِهِ ونَضِيجِهِ (النضيجُ: المُحْكَم) ، فَكَيْفَ؛ وَإِنَّما لازِمُ دَعْوَتِكَ ذَهابُ دَوْلَتِنا وتَخْضِيدُ شَوكَتِنا وَخُسْرانُ آخِرَتِنا؟!.
-هَيْهَاتَ هَيْهاتَ!؛ لَقَدْ ذهَبَ ما تَعْلَمُ؛ والعَزاءُ فِي اللهِ تَعالَى وفِيما عِنْدَه، وما نَحْنُ فِيهِ مِن الحالِ لا يَعْدُو ما وَرَدَ فِي (سِفْرِ الجامِعَةِ) مِنْ أسْفارِ يَهُود حَيْثُ يَقُول: (فَعُدْتُ؛ وَرَأَيْتُ تَحْتَ الشَّمْسِ أنَّ السَّعْيَ لَيْسَ للْخَفِيف!؛ ولا الحَرْبَ للأَقْوياء!؛ وَلا الخُبْزَ للحُكَماءِ!؛ ولا الغِنَى للفُهَماءِ!؛ ولا النِّعْمَةَ لِذَوي المَعْرِفَةِ!؛ لأَنَّ الوَقْتَ والفُرَصَ يُلاقِيانِهِمْ كَافَّةً ... مَنْ يَحِبُّ الفِضَّةَ لا يَشْبِعُ مِن الفِضَّةِ!؛ ومَنْ يُحِبُّ الثرْوَةَ لا يَشْبَعُ مِن دَخْلٍ!؛ هذا أَيْضًا باطِلٌ ... نَوْمُ المُشْتَغِلِ حُلْوٌ إنْ