فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ النِّصَابُ كُلُّهُ مِرَاضًا، وَفَرِيضَتُهُ مَعْدُومَةً، فَلَهُ أَنْ يَعْدِلَ إلَى السِّنِّ السُّفْلَى مَعَ دَفْعِ الْجُبْرَانِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَصْعَدَ مَعَ أَخْذِ الْجُبْرَانِ، لِأَنَّ الْجُبْرَانَ أَكْثَرُ مِنْ الْفَضْلِ الَّذِي بَيْنَ الْفَرْضَيْنِ، وَقَدْ يَكُونُ الْجُبْرَانُ جَبْرًا مِنْ الْأَصْلِ، فَإِنَّ قِيمَةَ الصَّحِيحَتَيْنِ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَةِ الْمَرِيضَتَيْنِ، فَكَذَلِكَ قِيمَةُ مَا بَيْنَهُمَا، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ فِي الصُّعُودِ، وَجَازَ فِي النُّزُولِ ; لِأَنَّهُ مُتَطَوِّعٌ بِشَيْءِ مِنْ مَالِهِ، وَرَبُّ الْمَالِ يُقْبَلُ مِنْهُ الْفَضْلُ، وَلَا يَجُوزُ لِلسَّاعِي أَنْ يُعْطِيَ الْفَضْلَ مِنْ الْمَسَاكِينِ.
فَإِنْ كَانَ الْمُخْرِجُ وَلِيَّ الْيَتِيمِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَيْضًا النُّزُولُ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ الْفَضْلَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ، فَيَتَعَيَّنُ شِرَاءُ الْفَرْضِ مِنْ غَيْرِ الْمَالِ.
(1705) فَصْلٌ: وَلَا يَدْخُلُ الْجُبْرَانِ فِي غَيْرِ الْإِبِلِ ; لِأَنَّ النَّصَّ فِيهَا وَرَدَ، وَلَيْسَ غَيْرُهَا فِي مَعْنَاهَا، لِأَنَّهَا أَكْثَرُ قِيمَةً، وَلِأَنَّ الْغَنَمَ لَا تَخْتَلِفُ فَرِيضَتُهَا بِاخْتِلَافِ سِنِّهَا، وَمَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ فِي الْبَقَرِ يُخَالِفُ مَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ فِي الْإِبِلِ فَامْتَنَعَ الْقِيَاسُ. فَمِنْ عَدِمَ فَرِيضَةَ الْبَقَرِ أَوْ الْغَنَمِ، وَوَجَدَ دُونَهَا، لَمْ يَجُزْ لَهُ إخْرَاجُهَا، فَإِنْ وَجَدَ أَعْلَى مِنْهَا، فَأَحَبَّ أَنْ يَدْفَعَهَا مُتَطَوِّعًا بِغَيْرِ جُبْرَانٍ، قُبِلَتْ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ كُلِّفَ شِرَاءَهَا مِنْ غَيْرِ مَالِهِ.
(1706) فَصْلٌ: قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ: تَفْسِيرُ الْأَوْقَاصِ. قَالَ: الْأَوْقَاصُ مَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ. قُلْت لَهُ: كَأَنَّهُ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِينَ إلَى الْأَرْبَعِينَ فِي الْبَقَرِ وَمَا أَشْبَهِ هَذَا ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَالسَّبَقُ مَا دُونَ الْفَرِيضَةِ. قُلْت لَهُ: كَأَنَّهُ مَا دُونَ الثَّلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ، وَمَا دُونَ الْفَرِيضَةِ ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: السَّبَقُ مَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ أَيْضًا.
قَالَ أَصْحَابُنَا: الزَّكَاةُ تَتَعَلَّقُ بِالنِّصَابِ دُونَ الْوَقْصِ. وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ إذَا كَانَ عِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ الْفَرِيضَةِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ عِنْده ثَلَاثُونَ مِنْ الْإِبِلِ، فَالزَّكَاةُ تَتَعَلَّقُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ، دُونَ الْخَمْسَةِ الزَّائِدَةِ عَلَيْهَا. فَعَلَى هَذَا لَوْ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيهَا، وَتَلِفَتْ الْخَمْسُ الزَّائِدَةُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ أَدَائِهَا، وَقُلْنَا: إنَّ تَلَفَ النِّصَابِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ يُسْقِطُ الزَّكَاةَ، لَمْ يَسْقُطْ هَاهُنَا مِنْهَا شَيْءٌ ; لِأَنَّ التَّالِفَ لَمْ تَتَعَلَّقْ الزَّكَاةُ بِهِ، وَإِنْ تَلِفَ مِنْهَا عَشْرٌ سَقَطَ مِنْ الزَّكَاةِ خُمْسُهَا ; لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِتَلَفِ جُزْءٍ مِنْ النِّصَابِ، وَإِنَّمَا تَلِفَ مِنْهَا مِنْ النِّصَابِ خَمْسَةٌ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: لَا تَأْثِيرَ لِتَلَفِ النِّصَابِ فِي إسْقَاطِ الزَّكَاةِ فَلَا فَائِدَةَ فِي الْخِلَافِ عِنْدَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا أَعْلَمُ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.