لِغَيْرِهِ، أَشْبَهَ الْأَجَانِبَ.
وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، مَتَى عَرَضَتْ لِهَؤُلَاءِ حُكُومَةٌ، حَكَمَ بَيْنَهُمْ الْإِمَامُ، أَوْ حَاكِمٌ آخَرُ، أَوْ بَعْضُ خُلَفَائِهِ، فَإِنْ كَانَتْ الْخُصُومَةُ بَيْنَ وَالِدَيْهِ، أَوْ وَلَدَيْهِ، أَوْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا، عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ; لِأَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، فَلَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا، كَمَا لَوْ كَانَ خَصْمُهُ أَجْنَبِيًّا.
وَفِي الْآخَرِ، يَجُوزُ. وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ عِنْدَهُ، فَارْتَفَعَتْ تُهْمَةُ الْمَيْلِ، فَأَشْبَهَا الْأَجْنَبِيَّيْنِ.
(8297) فَصْلٌ: وَإِذَا تَحَاكَمَ رَجُلَانِ إلَى رَجُلٍ حَكَّمَاهُ بَيْنَهُمَا وَرَضِيَاهُ، وَكَانَ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا، جَازَ ذَلِكَ، وَنَفَذَ حُكْمُهُ عَلَيْهِمَا. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ; أَحَدُهُمَا، لَا يَلْزَمُهُمَا حُكْمُهُ إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا ; لِأَنَّ حُكْمَهُ إنَّمَا يَلْزَمُ بِالرِّضَا بِهِ، وَلَا يَكُونُ الرِّضَا إلَّا بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِحُكْمِهِ.
وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو شُرَيْحٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: {إنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ، فَلِمَ تُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ ؟ قَالَ: إنَّ قَوْمِي إذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي، فَحَكَمْت بَيْنَهُمْ، وَرَضِيَ عَلَيَّ الْفَرِيقَانِ. قَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَنْ أَكْبَرُ وَلَدِك} ؟ قَالَ: شُرَيْحٌ. قَالَ:"فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ". أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {مَنْ حَكَمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ تَرَاضَيَا بِهِ، فَلَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمَا، فَهُوَ مَلْعُونٌ} .
وَلَوْلَا أَنَّ حُكْمَهُ يَلْزَمُهُمَا، لَمَا لَحِقَهُ هَذَا الذَّمُّ، وَلِأَنَّ عُمَرَ وَأُبَيًّا تَحَاكَمَا إلَى زَيْدٍ، وَحَاكَمَ عُمَرُ أَعْرَابِيًّا إلَى شُرَيْحٍ قَبْلَ أَنْ يُوَلِّيَهُ، وَتَحَاكَمَ عُثْمَانُ وَطَلْحَةُ إلَى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَلَمْ يَكُونُوا قُضَاةً.
فَإِنْ قِيلَ: فَعُمَرُ وَعُثْمَانُ كَانَا إمَامَيْنِ، فَإِذَا رَدَّا الْحُكْمَ إلَى رَجُلٍ صَارَ قَاضِيًا. قُلْنَا: لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمَا إلَّا الرِّضَا بِتَحْكِيمِهِ خَاصَّةً، وَبِهَذَا لَا يَصِيرُ قَاضِيًا، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا رَضِيَ بِتَصَرُّفِ وَكِيلِهِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ قَبْلَ الْمَعْرِفَةِ بِهِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ نَقْضُ حُكْمِهِ فِيمَا لَا يُنْقَضُ بِهِ حُكْمُ مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لِلْحَاكِمِ نَقْضُهُ إذَا خَالَفَ رَأْيَهُ ; لِأَنَّ هَذَا عَقْدٌ فِي حَقِّ الْحَاكِمِ، فَمَلَكَ فَسْخَهُ، كَالْعَقْدِ الْمَوْقُوفِ فِي حَقِّهِ. وَلَنَا، أَنَّ هَذَا حُكْمٌ صَحِيحٌ لَازِمٌ، فَلَمْ يَجُزْ فَسْخُهُ لِمُخَالَفَتِهِ رَأْيَهُ، كَحُكْمِ مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ، وَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّ حُكْمَهُ لَازِمٌ لِلْخَصْمَيْنِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَوْقُوفًا ؟ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ، لَمَلَكَ فَسْخَهُ، وَإِنْ لَمْ يُخَالِفْ رَأْيَهُ، وَلَا نُسَلِّمُ الْوُقُوفَ فِي الْعُقُودِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَصْمَيْنِ الرُّجُوعَ عَنْ تَحْكِيمِهِ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْحُكْمِ ; لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِرِضَاهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَجَعَ عَنْ التَّوْكِيلِ قَبْلَ التَّصَرُّفِ. وَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ شُرُوعِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا، لَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَتِمَّ، أَشْبَهَ قَبْلَ الشُّرُوعِ. وَالثَّانِي، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذَا رَأَى مِنْ الْحُكْمِ مَا لَا يُوَافِقُهُ، رَجَعَ، فَيَبْطُلُ الْمَقْصُودُ بِهِ.
(8298) فَصْلٌ: قَالَ الْقَاضِي: وَيَنْفُذُ حُكْمُ مَنْ حَكَّمَاهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ إلَّا أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ ; النِّكَاحُ، وَاللِّعَانُ، وَالْقَذْفُ، وَالْقِصَاصُ ; لِأَنَّ لِهَذِهِ الْأَحْكَامِ مَزِيَّةً عَلَى غَيْرِهَا، فَاخْتَصَّ الْإِمَامُ بِالنَّظَرِ فِيهَا، وَنَائِبُهُ يَقُومُ مَقَامَهُ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَنْفُذُ حُكْمُهُ فِيهَا.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ، كَهَذَيْنِ.
وَإِذَا كَتَبَ هَذَا الْقَاضِي بِمَا حَكَمَ بِهِ كِتَابًا إلَى قَاضٍ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ، وَتَنْفِيذُ كِتَابِهِ ; لِأَنَّهُ حَاكِمٌ نَافِذُ الْأَحْكَامِ، فَلَزِمَ قَبُولُ كِتَابِهِ، كَحَاكِمِ الْإِمَامِ.