فهرس الكتاب

الصفحة 3294 من 3896

فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَمْ يَعْتَرِفْ أَنَّهُ أَخَذَ مَا أَخَذَهُ عَلَى سَبِيلِ الْغُلُولِ، وَلَا أَخَذَهُ لِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا تَوَانَى فِي الْمَجِيءِ بِهِ، وَلَيْسَ الْخِلَافُ فِيهِ، وَلِأَنَّ الرَّجُلَ جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ تَائِبًا مُعْتَذِرًا، وَالتَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا، وَتَمْحُو الْحَوْبَةَ.

وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ، فَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْهُ إذَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، فَأَمَّا إذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَلَا يُعَدُّ تَضْيِيعًا، كَإِلْقَاءِ الْمَتَاعِ فِي الْبَحْرِ إذَا خِيفَ الْغَرَقُ، وَقَطْعِ يَدِ الْعَبْدِ السَّارِقِ، مَعَ أَنَّ الْمَالَ لَا تَكَادُ الْمَصْلَحَةُ تَحْصُلُ بِهِ إلَّا بِذَهَابِهِ، فَأَكْلُهُ إتْلَافُهُ، وَإِنْفَاقُهُ إذْهَابُهُ، وَلَا يُعَدُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ تَضْيِيعًا وَلَا إفْسَادًا، وَلَا يُنْهَى عَنْهُ. وَأَمَّا الْمُصْحَفُ، فَلَا يُحَرَّقُ ; لِحُرْمَتِهِ، وَلِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ سَالِمٍ فِيهِ، وَالْحَيَوَانُ لَا يُحَرَّقُ ; {لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّهَا} ، وَلِحُرْمَةِ الْحَيَوَانِ فِي نَفْسِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي اسْمِ الْمَتَاعِ الْمَأْمُورِ بِإِحْرَاقِهِ. وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ. وَلَا تُحَرَّقُ آلَةُ الدَّابَّةِ أَيْضًا.

نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ; لِأَنَّهُ يُحْتَاجُ إلَيْهَا لِلِانْتِفَاعِ بِهَا، وَلِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِمَا يُحَرَّقُ، فَأَشْبَهَ جِلْدَ الْمُصْحَفِ وَكِيسَهُ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يُحَرَّقُ سَرْجُهُ وَإِكَافُهُ. وَلَنَا، أَنَّهُ مَلْبُوسُ حَيَوَانٍ، فَلَا يُحَرَّقُ، كَثِيَابِ الْغَالِّ. وَلَا تُحَرَّقُ ثِيَابُ الْغَالِّ الَّتِي عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ عُرْيَانًا، وَلَا مَا غَلَّ ; لِأَنَّهُ مِنْ غَنِيمَةِ الْمُسْلِمِينَ. قِيلَ لِأَحْمَدَ: فَاَلَّذِي أَصَابَ فِي الْغُلُولِ، أَيَّ شَيْءٍ يُصْنَعُ بِهِ ؟ قَالَ: يُرْفَعُ إلَى الْمَغْنَمِ.

وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ. وَلَا سِلَاحُهُ ; لِأَنَّهُ يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْقِتَالِ، وَلَا نَفَقَتُهُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُحَرَّقُ عَادَةً، وَجَمِيعُ ذَلِكَ، أَوْ مَا أَبْقَتْ النَّارُ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَهُوَ لِصَاحِبِهِ ; لِأَنَّ مِلْكَهُ كَانَ ثَابِتًا عَلَيْهِ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُزِيلُهُ، وَإِنَّمَا عُوقِبَ بِإِحْرَاقِ مَتَاعِهِ، فَمَا لَمْ يَحْتَرِقْ يَبْقَى عَلَى مَا كَانَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُبَاعَ الْمُصْحَفُ، وَيُتَصَدَّقَ بِهِ ; لِقَوْلِ سَالِمٍ فِيهِ.

وَإِنْ كَانَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ أَوْ الْعِلْمِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تُحَرَّقَ أَيْضًا ; لِأَنَّ نَفْعَ ذَلِكَ يَعُودُ إلَى الدِّينِ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ الْإِضْرَارَ بِهِ فِي دِينِهِ، وَإِنَّمَا الْقَصْدُ الْإِضْرَارُ بِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُنْيَاهُ.

(7604) فَصْلٌ: وَإِنْ لَمْ يُحَرَّقْ رَحْلُهُ حَتَّى اسْتَحْدَثَ مَتَاعًا آخَرَ، أَوْ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ، أُحْرِقَ مَا كَانَ مَعَهُ حَالِ الْغُلُولِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الَّذِي يَرْجِعُ إلَى بَلَدِهِ. قَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يُحَرَّقَ مَا كَانَ مَعَهُ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ. وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ إحْرَاقِ رَحْلِهِ، لَمْ يُحَرَّقْ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ; لِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ، فَتَسْقُطُ بِالْمَوْتِ، كَالْحُدُودِ، لِأَنَّهُ بِالْمَوْتِ انْتَقَلَ إلَى وَرَثَتِهِ، فَإِحْرَاقُهُ عُقُوبَةٌ لِغَيْرِ الْجَانِي.

وَإِنْ بَاعَ مَتَاعَهُ، أَوْ وَهَبَهُ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يُحَرَّقَ ; لِأَنَّهُ صَارَ لِغَيْرِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ انْتَقَلَ عَنْهُ بِالْمَوْتِ. وَاحْتَمَلَ أَنْ يُنْقَضَ الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ وَيُحَرَّقَ ; لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ سَابِقٌ عَلَى الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ، كَالْقِصَاصِ فِي حَقِّ الْجَانِي.

(7605) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ الْغَالُّ صَبِيًّا، لَمْ يُحَرَّقْ مَتَاعُهُ. وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ; لِأَنَّ الْإِحْرَاقَ عُقُوبَةٌ. وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا، فَأَشْبَهَ الْحَدَّ. وَإِنْ كَانَ عَبْدًا، لَمْ يُحَرَّقْ مَتَاعُهُ ; لِأَنَّهُ لِسَيِّدِهِ، فَلَا يُعَاقَبُ سَيِّدُهُ بِجِنَايَةِ عَبْدِهِ. وَإِنْ اسْتَهْلَكَ مَا غَلَّهُ، فَهُوَ فِي رَقَبَتِهِ ; لِأَنَّهُ مِنْ جِنَايَتِهِ. وَإِنْ غَلَّتْ امْرَأَةٌ أَوْ ذِمِّيٌّ أُحْرِقَ مَتَاعُهُمَا ; لِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ الْعُقُوبَةِ، وَلِذَلِكَ يُقْطَعَانِ فِي السَّرِقَةِ، وَيُحَدَّانِ فِي الزِّنَى وَغَيْرِهِ. وَإِنْ أَنْكَرَ الْغُلُولَ، وَذَكَرَ أَنَّهُ ابْتَاعَ مَا بِيَدِهِ، لَمْ يُحَرَّقْ مَتَاعُهُ، حَتَّى يَثْبُتَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت