الْحَرْبِ، جَازَ سَبْيُهُمْ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ إسْلَامُهُمْ بِإِسْلَامِهِ، لِاخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ بَيْنَهُمْ، وَلِهَذَا إذَا سُبِيَ الطِّفْلُ وَأَبَوَاهُ فِي دَارِ الْكُفْرِ، لَمْ يَتْبَعُهَا، وَيَتْبَعُ سَابِيه فِي الْإِسْلَامِ، وَمَا كَانَ مِنْ أَرْضٍ أَوْ دَارٍ فَهُوَ فَيْءٌ، وَكَذَلِكَ زَوْجَتُهُ إذَا كَانَتْ كَافِرَةً، وَمَا فِي بَطْنِهَا فَيْءٌ. وَلَنَا، أَنَّ أَوْلَادَهُ أَوْلَادُ مُسْلِمٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَتْبَعُوهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، كَمَا لَوْ كَانُوا مَعَهُ فِي الدَّارِ، وَلِأَنَّ مَالَهُ مَالُ مُسْلِمٍ، فَلَا يَجُوزُ اغْتِنَامُهُ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَبِذَلِكَ يُفَارِقُ مَالَ الْحَرْبِيِّ وَأَوْلَادَهُ.
وَمَا ذَكَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَلْزَمُ ; فَإِنَّنَا نَجْعَلُهُ تَبَعًا لِلسَّابِي ; لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ بَقَاءَ أَبَوَيْهِ، فَأَمَّا أَوْلَادُهُ الْكِبَارُ، فَلَا يَعْصِمُهُمْ ; لِأَنَّهُمْ لَا يَتْبَعُونَهُ، وَلَا يَعْصِمُ زَوْجَتَهُ لِذَلِكَ، فَإِنْ سُبِيَتْ صَارَتْ رَقِيقًا، وَلَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُهُ بِرِقِّهَا، وَلَكِنْ يَكُونُ حُكْمُهَا فِي النِّكَاحِ وَفَسْخِهِ حُكْمَ مَا لَوْ لَمْ تُسْبَ، عَلَى مَا مَرَّ فِي نِكَاحِ أَهْلِ الشِّرْكِ فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا مِنْ زَوْجِهَا، لَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُ الْحَمْلِ، وَكَانَ حُرًّا مُسْلِمًا. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُحْكَمُ بِرِقِّهِ مَعَ أُمِّهِ ; لِأَنَّ مَا سَرَى إلَيْهِ الْعِتْقُ سَرَى إلَيْهِ الرِّقُّ، كَسَائِرِ أَعْضَائِهَا. وَلَنَا، أَنَّهُ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ وَإِسْلَامِهِ، فَلَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُهُ، كَالْمُنْفَصِلِ، وَيُخَالِفُ الْأَعْضَاءَ ; لِأَنَّهَا لَا تَنْفَرِدُ بِحُكْمٍ عَنْ الْأَصْلِ.
(7538) فَصْلٌ: وَإِذَا أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَهُ مَالٌ وَعَقَارٌ، أَوْ دَخَلَ إلَيْهَا مُسْلِمٌ فَابْتَاعَ عَقَارًا أَوْ مَالًا، فَظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَالِهِ وَعَقَارِهِ لَمْ يَمْلِكُوهُ، وَكَانَ لَهُ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَغْنَمُ الْعَقَارُ، وَأَمَّا غَيْرُهُ، فَمَا كَانَ فِي يَدِهِ أَوْ يَدِ مُسْلِمٍ، لَمْ يُغْنَمْ.
وَاحْتَجَّ بِأَنَّهَا بُقْعَةٌ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، فَجَازَ اغْتِنَامُهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ لِحَرْبِيٍّ. وَلَنَا، أَنَّهُ مَالُ مُسْلِمٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَاتِبَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
(7539) فَصْلٌ: إذَا اسْتَأْجَرَ الْمُسْلِمُ أَرْضًا مِنْ حَرْبِيٍّ، ثُمَّ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ، فَهِيَ غَنِيمَةٌ، وَمَنَافِعُهَا لِلْمُسْتَأْجِرِ ; لِأَنَّ الْمَنَافِعَ مِلْكُ الْمُسْلِمِ. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ أَجَزْتُمْ اسْتِرْقَاقَ الْكَافِرَةِ الْحَرْبِيَّةِ إذَا كَانَ زَوْجُهَا قَدْ أَسْلَمَ، وَفِي اسْتِرْقَاقِهَا إبْطَالُ حَقِّ زَوْجِهَا ؟ قُلْنَا: يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهَا ; لِأَنَّهَا كَافِرَةٌ، وَلَا أَمَانَ لَهَا، فَجَازَ اسْتِرْقَاقُهَا، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ زَوْجَةَ مُسْلِمٍ، وَلَا يَبْطُلُ نِكَاحُهُ، بَلْ هُوَ بَاقٍ، وَلِأَنَّ مَنْفَعَةَ النِّكَاحِ لَا تَجْرِي مَجْرَى الْأَمْوَالِ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تُضْمَنُ بِالْيَدِ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهَا، بِخِلَافِ حَقِّ الْإِجَارَةِ.
(7540) فَصْلٌ: إذَا أَسْلَمَ عَبْدُ الْحَرْبِيِّ أَوْ أَمَتُهُ، وَخَرَجَ إلَيْنَا، فَهُوَ حُرٌّ، وَإِنْ أَسَرَ سَيِّدَهُ وَأَوْلَادَهُ، وَأَخَذَ مَالَهُ، وَخَرَجَ إلَيْنَا، فَهُوَ حُرٌّ، وَالْمَالُ لَهُ، وَالسَّبْيُ رَقِيقُهُ. وَإِنْ أَسْلَمَ وَأَقَامَ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَهُوَ عَلَى رِقِّهِ. وَإِنْ أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِ الْحَرْبِيِّ، وَخَرَجَتْ إلَيْنَا، عَتَقَتْ، وَاسْتَبْرَأَتْ نَفْسَهَا. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَقَالَ بِهِ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ فِي أُمِّ الْوَلَدِ: تُزَوَّجُ إنْ شَاءَتْ مِنْ غَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ. وَأَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى خِلَافِهِ، لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ عَتَقَتْ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ، كَمَا لَوْ كَانَتْ لِذِمِّيٍّ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ الْحَجَّاجِ، عَنْ الْحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْتِقُ الْعَبِيدَ إذَا جَاءُوا قَبْلَ مَوَالِيهمْ.
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْأَعْشَمِ، قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَبْدِ وَسَيِّدِهِ