فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 3896

وَلَنَا مَا رَوَى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: {انْكَسَرَتْ إحْدَى زَنْدَيَّ، فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ} . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَحَدِيثُ جَابِرٍ فِي الَّذِي أَصَابَتْهُ الشَّجَّةُ وَلِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَلَمْ يَعْرِفْ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا ; وَلِأَنَّهُ مَسَحَ عَلَى حَائِلٍ أُبِيحَ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، فَلَمْ تَجِبْ مَعَهُ الْإِعَادَةُ، كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ

(397) فَصْلٌ: وَيُفَارِقُ مَسْحُ الْجَبِيرَةِ مَسْحَ الْخُفِّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا إلَّا عِنْدَ الضَّرَرِ بِنَزْعِهَا، وَالْخُفُّ بِخِلَافِ ذَلِكَ.

وَالثَّانِي، أَنَّهُ يَجِبُ اسْتِيعَابُهَا بِالْمَسْحِ ; لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي تَعْمِيمِهَا بِهِ، بِخِلَافِ الْخُفِّ ; فَإِنَّهُ يَشُقُّ تَعْمِيمُ جَمِيعِهِ، وَيُتْلِفُهُ الْمَسْحُ. وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ، وَبَعْضُهَا فِي غَيْرِهِ، مَسَحَ مَا حَاذَى مَحَلَّ الْفَرْضِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.

الثَّالِثُ أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيتٍ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَلَا ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ; لِأَنَّ مَسْحَهَا لِلضَّرُورَةِ، فَيُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا، وَالضَّرُورَةُ تَدْعُو فِي مَسْحِهَا إلَى حَلِّهَا، فَيُقَدَّرُ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ.

الرَّابِعُ، أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهَا فِي الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى، بِخِلَافِ غَيْرِهَا ; لِأَنَّ الضَّرَرَ يَلْحَقُ بِنَزْعِهَا فِيهَا، بِخِلَافِ الْخُفِّ.

الْخَامِسُ، أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَقَدُّمُ الطَّهَارَةِ عَلَى شَدِّهَا فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَقَالَ: قَدْ رَوَى حَرْبٌ، وَإِسْحَاقُ، وَالْمَرُّوذِيُّ، فِي ذَلِكَ سُهُولَةً عَنْ أَحْمَدَ. وَاحْتَجَّ بِابْنِ عُمَرَ، وَكَأَنَّهُ تَرَكَ قَوْلَهُ الْأَوَّلَ، وَهُوَ أَشْبَهُ ; لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَنْضَبِطُ، وَيَغْلُظُ عَلَى النَّاسِ جِدًّا، فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَيُقَوِّي هَذَا حَدِيثُ جَابِرٍ فِي الَّذِي أَصَابَتْهُ، الشَّجَّةُ، فَإِنَّهُ قَالَ: {إنَّمَا كَانَ يُجْزِئُهُ أَنْ يَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، وَيَمْسَحَ عَلَيْهَا.} وَلَمْ يَذْكُرْ الطَّهَارَةَ، وَكَذَلِكَ أَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ طَهَارَةً ; وَلِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَيْهَا جَازَ دَفْعًا لِمَشَقَّةِ نَزْعِهَا، وَنَزْعُهَا، يَشُقُّ إذَا لَبِسَهَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، كَمَشَقَّتِهِ إذَا لَبِسَهَا عَلَى طَهَارَةٍ.

وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَمْسَحُ عَلَيْهَا إلَّا أَنْ يَشُدَّهَا عَلَى طَهَارَةٍ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ; لِأَنَّهُ حَائِلٌ يَمْسَحُ عَلَيْهِ، فَكَانَ مِنْ شَرْطِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ تَقَدُّمُ الطَّهَارَةِ، كَسَائِرِ الْمَمْسُوحَاتِ. فَعَلَى هَذَا إذَا لَبِسَهَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، ثُمَّ خَافَ مِنْ نَزْعِهَا، تَيَمَّمَ لَهَا. وَكَذَا إذَا تَجَاوَزَ بِالشَّدِّ عَلَيْهَا مَوْضِعَ الْحَاجَةِ، وَخَافَ مِنْ نَزْعِهَا، تَيَمَّمَ لَهَا ; لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ يَخَافُ الضَّرَرَ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِيهِ، فَيَتَيَمَّمُ لَهُ كَالْجُرْحِ نَفْسِهِ.

(398) فَصْلٌ: وَلَا يَحْتَاجُ مَعَ مَسْحِهَا إلَى تَيَمُّمٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَيَمَّمَ مَعَ مَسْحِهَا فِيمَا إذَا تَجَاوَزَ بِهَا مَوْضِعَ الْحَاجَةِ ; لِأَنَّ مَا عَلَى مَوْضِعِ الْحَاجَةِ يَقْتَضِي الْمَسْحَ، وَالزَّائِدُ يَقْتَضِي التَّيَمُّمَ، وَكَذَلِكَ فِيمَا إذَا شَدَّهَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ ; لِأَنَّهَا مُخْتَلَفٌ فِي إبَاحَةِ الْمَسْحِ عَلَيْهَا. فَإِذَا قُلْنَا لَا يَمْسَحُ عَلَيْهَا. كَانَ فَرْضُهَا التَّيَمُّمَ. وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ يَكُونُ فَرْضُهَا الْمَسْحَ، فَإِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا خَرَجَ مِنْ الْخِلَافِ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا قَوْلَانِ فِي الْجُمْلَةِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي الَّذِي أَصَابَتْهُ الشَّجَّةُ. وَلَنَا أَنَّهُ مَحَلٌّ وَاحِدٌ، فَلَا يَجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ بَدَلَيْنِ، كَالْخُفِّ ; وَلِأَنَّهُ مَمْسُوحٌ فِي طَهَارَةٍ، فَلَمْ يَجِبْ لَهُ التَّيَمُّمُ، كَالْخُفِّ، وَصَاحِبُ الشَّجَّةِ، الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَبِسَهَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ.

(399) فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الشَّدِّ عَلَى كَسْرٍ أَوْ جُرْحٍ، قَالَ أَحْمَدُ: إذَا تَوَضَّأَ، وَخَافَ عَلَى جُرْحِهِ الْمَاءَ، مَسَحَ عَلَى الْخِرْقَةِ. وَحَدِيثُ جَابِرٍ فِي صَاحِبِ الشَّجَّةِ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَسْحِ عَلَى عِصَابَةِ جُرْحٍ ; لِأَنَّ الشَّجَّةَ اسْمٌ لِجُرْحِ الرَّأْسِ خَاصَّةً ; وَلِأَنَّهُ حَائِلُ مَوْضِعٍ يَخَافُ الضَّرَرَ بِغَسْلِهِ، فَأَشْبَهَ الشَّدَّ عَلَى الْكَسْرِ. وَكَذَلِكَ إنْ وَضَعَ عَلَى جُرْحِهِ دَوَاءً، وَخَافَ مِنْ نَزْعِهِ، مَسَحَ عَلَيْهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. قَالَ الْأَثْرَمُ: سَأَلْت أَبَا عَبْد اللَّهِ عَنْ الْجُرْحِ يَكُونُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت