وبهذا المنهج تربى الطفل في عصر النبوة تربية راسخة، جعلته قوة فعالة ثابتة، وأمثلة واقعية تفوق الخيال، فلا يكاد يفرق بين الرجل الكبير والولد الصغير، فالكل كبار بأفعالهم وأعمالهم الحميدة.
فهذا علي بن أبي طالب رضى الله تعالى عنه يؤمن بالرسول - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يبلغ وهو ابن عشر سنين، ويتبعه رغم الآلام والخسائر والمعاناه التى يلقاها المؤمنون في ذلك الوقت في مكة، فلم يمنعه كل هذا - مع صغر سنه - من اتباع الحق، والتمييز بينه وبين الباطل، واختيار الطريق، وتقرير المصير.
وهذا أسامة بن زيد، وأسيد بن ظهير، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وغيرهم كثير، يعرضون أنفسهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجاء أن يسمح لهم بالمشاركة في قتال الكفار في غزوة أحد، فيردهم لصغر سنهم.
وفي يوم تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم:6] ، فإذا بفتى يسقط مغشيًا عليه من وقع التلاوة على قلبه، فيضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده الشريفة على صدره ويقول له: (( يا فتى قل لا إله إلا الله ) )فقالها فبشره بالجنة، وصبيان آخرون في سن السابعة تقريبًا يأتون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبايعونه مع الكبار، فيبسط يده ويبايعهم.
هؤلاء الصبيان الصغار الذين لم يبلغوا الحلم، ولم تصقل خبراتهم بعد، ولم يتعلموا الكثيرمن العلوم عرفوا معنى الحياة وحقيقتها، وأنها فانية، فقد كان دور الأسرة في ذلك الوقت دورًا رائدًا ورئيسيًا في إيجاد هذا الشعور العجيب في قلوب الصغار نحو الله عز وجل، واستشعار معيته ومراقبته لهم مما دفعهم إلى مزيد من التضحيات في سبيل الله سبحانه وتعالى.