الصفحة 10 من 22

وحين زاد تيار الوضع وطغى، وأخذت الزنادقة ومن لف لفهم يكتبون الموضوعات ويدسونها في الصحاح، ظهرت فكرة جمع الحديث في طبقة الإمام الزهري ومن بعدها كابن جريج وسفيان الثوري ومالك [29] ، فدونوا الحديث على الهيئة التي وجدوه عليها، ثم بحثوا عن أحوال الرواة، فأسقطوا ما يعرفون أنه موضوع، فقد كانوا - كما قال أبو داود - يجتهدون غاية الاجتهاد فلا يتمكنون من الحديث المرفوع المتصل إلا من دون ألف حديث [30] .

ومن أشهر تلك الكتب وأولها موطأ الإمام مالك الذي يقول عنه الشافعي:"ما على أديم الأرض بعد كتاب الله - كتاب أصح من موطأ مالك" [31] .

ثم جاءت من بعدهم طبقة أخرى انتهجت جمع الأحاديث النبوية على طريقة المسانيد، فجمعت ما يروى عن الصحابي في باب واحد رغم تعدد الموضوع، ونقت الحديث من أقوال الصحابة وفتاوى التابعين - بخلاف الطبقة السابقة - ومن هؤلاء: بقي بن مخلد وإسحاق بن راهوية، وأحمد بن حنبل الذي انتقى مسنده المشهور - كما يقول - من 750 ألف حديث [32] ، ومن هذا يتبين لنا ما كانوا يكابدونه من جهد في جمع الأحاديث، لكنهم في طريقتهم يمزجون الصحيح بغيره من حسن وضعيف.

فجاء من بعدهم من قام بالعبء العظيم وأفرد الصحيح في كتاب مستقل، وهما الإمامان الجليلان البخاري ومسلم، فقد كان البخاري يحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائتي ألف حديث غير صحيح [33] ، وكذلك مسلم، فقد صنف صحيحه من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة [34] ، وبعد أصحاب المسانيد والصحاح تتابعت عقود السنن تترى من أبي داود والنسائي والترمذي.. وغيرهم، وبهذا تم جمع الحديث وتطهيره من دنس الوضع ومخلفاته.

الفصل الثاني: الاهتمام بالإسناد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت