وإني أرجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من ضرورة مطالبة المالك بماله لإقامة الحد على السارق, وذلك لأن كون المسروق مملوكا لغير السارق شرط لإقامة الحد وهذا الشرط لا يتحقق إلا بمطالبة غير السارق بماله لاحتمال أن المسروق منه قد أخرجه من ملكه أو أباحه لغيره أو وقفه على طائفة معينة .فتحقق كون الفعل سرقة شرعًا لا يظهر إلا بهذه المطالبة, فعدم المطالبة يورث شبهة تدرأ القطع, والحدود تدرأ بالشبهات .
الفصل الثالث:الشروط المتعلقة بالمال المسروق.
اشترط الفقهاء في المال المسروق عدة شروط . بعضها أجمعوا عليه والبعض الآخر اختلفوا فيه, وسنبين مذاهبهم في ذلك على النحو التالي:
1ـ الشرط الأول: ـ أن يكون المسروق مالًا:
هذا الشرط قال به جميع الفقهاء: فقد أجمعوا على أن السرقة لا تكون إلا في المال, لأنها لا تتصور إلا فيه, فالإنسان لا يصح أن يكون محلا للسرقة .
مسألة:ـ أختلف الفقهاء إذا كان المسروق طفلا غير مميز أو مجنون:
اختلفوا بشأن المجنون الحر, والطفل غير المميز, هل يتم
إلحاقهما بحكم المال فتجري عليهما السرقة أم لا ؛ على قولين:
القول الأول: يرى أن الطفل غير المميز أو المجنون, لا يصح أن يكون محلًا للسرقة, لأنهما ليسا بمال من أي وجه. وعلى ذلك لا يقطع سارقهما لكونهما يشبهان الكبير النائم, إذ لا قطع في أخذه ؛ وهذا ما ذهب إليه أبو حنيفة( شرح فتح القدير ج5 ص396
والشافعي ( نهاية المحتاج ج 7 ص460) وأحمد ( المغني ج10ص396)
وقد استدل أصحاب هذا القول: بأن القطع شرع ليزجر السارق عن التعدي على الأموال لتعلق النفوس بها. لأنها من ضروريات الحياة, وغير المال وهو الحر والصغير غير المميز لا تعلق للنفس به, فلا ضرورة لشرع القطع فيه .