دخل الملك في المجلس المعتم:
-السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
فرد الجميع التحية .
أخذ الصغير يتطلع يمنة ويسرة ، ويتفرس وجوه الحاضرين وهو يمشي بخطوات متسارعة حتى اقترب من أريكته الخاصة وجلس .
كان بادي الاضطراب ، خصوصا حين وقعت عيناه على عينيّ بن أبي غسان اللتين تشتعلان غضبًا ، ولكن نظرات كبير الوزراء وابتسامته التآمرية بعثت فيه شيئا من الاطمئنان ..
أخذ كبير الوزراء عبدالملك يفلّ رقعة"بيان الاجتماع":
-بسم الله الرحمن الرحيم . لا غالب إلا الله .
ابتدأ عبدالملك بقراءة البيان ، ثم تنحنح ليخرج صوته مصقولا:
-الحمد لله على جزيل آلائه ، والشكر له على وافر نعماءه ، والرضا والتسليم الأتمين الأكملين على امتحانه وابتلائه ، أما بعد:
أيها السادة الموقرون ، أعيان ووجهاء مدينة غرناطة ..
قد قدر الله مقادير البشر قبل آلاف السنين ، وقضى بحكمته وعدله في هذه الدنيا بما شاء _سبحانه جل في علاه_ ، فمن رضي فهو المؤمن المطيع ومن سخط فهو الكافر الآبق ، فالدنيا دار بلاء يميز الله فيها الصابرين من الساخطين ، والراجين من القانطين ، وهو سبحانه له الآخرة والأولى والآخرة خير وأبقى .
ومن ابتلاء الله لدولتنا _أدام الله عزها_ هذه الجنود المسيحية التي لا قِبلَ لنا بها ، والتي اجتمعت على الأسوار ، وأذاقتنا لباس الجوع والخوف ونقص من الأموال والأنفس والثمرات .
وتعلمون جميعا ما أمَرنا به شرعنا الإسلامي الحنيف من وجوب حقن دماء المسلمين والحفاظ على سلامة أعراضهم وأموالهم ، قال تبارك وتقدس في كتابه العزيز: ولا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة ، وقال الرسول الكريم عليه السلام: حفظ النفس من الإيمان .
وقد أفتى علماؤنا الأفاضل _بارك الله في علمهم_ ..
هنا بدأ بعض العلماء يعتدل في جلسته ويبتسم في بعض الوجوه الناظرة إليه .
-أفتوا بجواز الصلح مع المسيحيين عند الضرورة ، مع اشتراط الحفاظ على كرامة المسلمين وأمنهم .