نجد بأنهم قالوا: بأن المالك إذا علم بتصرف الفضولي وسكت مدة عام فإن ذلك يعد إجازة؛ إذ علمه يتصرف الفضولي وسكوته تلك المدة يدل على رضاه بتصرفه، وهذا يعد وضعًا لعدم إطالة بقاء العقد صالحًا مدة طويلة [1] .
وعلى هذا فإنه وفقًا لقواعد المالكية إذا سكت الواعد عن ذكر مدة للوعد، فإن مرور عام دون أن يفي هو بوعده يحق للطرف الآخر أن يجبره على التنفيذ بعد مضي تلك المدة، وذلك حتى لا يبقى الوعد أكثر من ذلك خاصة أن جمهور المالكية قالوا بوجوب الوفاء بالوعد.
وفي خيار الشرط [2] أيضًا نجد أن المالكية ذكروا أنه إذا لم يحدد له مدة أو شرط إلى مدة مجهولة كقدوم زيد أو هبوب ريح الخ، فإن العقد يصح ويحدد لهما القاضي المدة المعقولة التي يختبر فيها المبيع؛ لأن الإطلاق يحمل على رضائهما بتلك المدة [3] .
وبناء على ما ذكره المالكية في خيار الشرط إذا لم يحدد له مدة - حيث رأينا أنهم قالوا بصحة العقد ويتولى القاضي تحديد تلك المدة - فإنه يمكن تحديد مدة للوعد إذا خلا عن ذكرها حتى لا يبقى أمد الوعد مدة طويلة، ويقدرها القاضي حسب ما يراه من أن تلك المدة تصلح للتنفيذ في حق الواعد، وأظن أن هذا الضابط أيسر مما قبله، كذلك يمكن القول بأنه إذا جاز تحديد مدة لإجازة العقد الموقوف، ولإبرام عقد البيع إذا اقترن بشرط الخيار، فإن تحديد مدة للوعد إذا خلت صيغة الوعد عن بيانها يعد أمرًا مقبولًا؛ لأن ذلك جاز في المقاصد، فيجوز في الوسائل من باب أولى إذ عرفنا سابقًا أن الوعد وسيلة لإبرام تعاقد، وليس هو العقد المراد إبرامه، ولا يتعارض هذا مع ما قلناه سابقًا بالنسبة للخطبة حيث اشترط الإشهاد أو الإعلان في الزواج ولا يلزم ذلك في الخطبة؛ لأن الزواج له مكانة خاصة في الشريعة ولا يصح القياس عليه.
(1) انظر البهجة شرح التحفة للتسولي ج2 ص68، 69، العقد المنظم للحكام لابن سلمون الكنافي ج1 ص311، جامع الفصولين ج1 ص232، العناية ج7 ص335، مغني المحتاج ج2 ص15، المغني ج4 ص228، والمحلي ج8 ص438، الإجازة د:/ عبد الرازق فرج ص120.
(2) ويراد به: أن يشترط أحد العاقدين أو كلاهما لنفسه أو لغيره حق فسخ العقد مدة معلومة من الزمان (أبو زهرة، الملكية ونظرية العقد ص431) .
ومثاله: أن يشتري شخص سلعة من آخر ويقول له: اشتريت منك تلك السلعة بكذا ولي الخيار ثلاثة أيام ويقبل البائع، والأصل أن البيع من العقود اللازمة واشتراط الخيار ينافيها إلا أن الجمهور قالوا بجوازه استحسانًا لوروده في السنة، من ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم- للرجل الذي كان يغبن في البياعات: «إذا بايعت فقل لا خلابة - أي لا خديعة - ثم أن بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال فإن رضيت فأمسك وإن سخط فراده) سبل السلام ج3 ص841، بالإضافة إلى أن الحاجة قد تدعو إليه فليس كل أحد صاحب خبرة في شئون البيع والشراء، ووجود هذا الخيار يجعل الرضا سليما وهو ما تقصده الشريعة في المعاملات عمومًا. انظر البدائع ج5 ص174، مغني المحتاج ج2 ص46، 47، الروض المربع ج2 ص72، المغني ج3 ص585.
(3) انظر حاشية الدسوقي ج3 ص91، بداية المجتهد ص173 وما بعدها، المغني ج3 ص589، 590.