وأما قوله: وتجد آخرا غليظًا جلفًا جافيًا منقبضا عن الناس مزورًا عنهم مسيئًا للظن بهم .
فالجواب أن يقال: إن كان انقباضه عن الناس لكثرة شرورهم وعدم قدرته على الإنكار عليهم فهو مصيب ولا يضره تشنيعك عليه .
وإن كان الأمر بخلاف ذلك فهو مخطئ وليس خطوة أعظم من خطأ من داهنهم لأن قصاراه أنه حرم نفسه انتفاعه بهم وانتفاعهم به .
وأما من يداهنهم فإنه يجزئهم على الوقوع في الذنوب حتى يقولوا لو كان حرامًا لما أمره فلان ولو كانوا مخطئين ما جالسهم فلان . كما هو الواقع اليوم .
وقوله: وتلقاه غير قادر على سماع ما عند الآخرين لأن من المقرر سلفًا أن ما عندهم باطل لا يضيع الوقت بسماعه .
فالجواب أن يقال: إن كان الذي عندهم مخلفًا للحق فأعرض عنه فهذه صفة أهل الإيمان كما قال تعالى: { إذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه } وإن كان حقًا فليس بواجب عليهم سماعة إذا كانوا قائمين بما أوجب الله عليهم وإلا فأنت أول تارك لهذا الواجب لأن كثيرًا من المواضع التي يلقى فيها العلم لم تحضرها .
وأما قوله: والحق يا أخوة أن صاحب الحق لا يخاف من سماع ما عند الآخرين حين يملك الدليل والبرهان على ما لديه ، الذي يخاف هو صاحب الباطل الذي يخشى أن ينكشف باطله ويفتضح .
فالجواب أن يقال: لقد وسع الكاتب المجال في هذا الباب حيث قاس بابن عباس غيره ؛ أين الثري من الثريا .
أين من دعا له المصطفى - صلى الله عليه وسلم - من أمثالنا الذين عدموا العلم والبصيرة ولو أنه عكس القضية وقال ينبغي لمن كان مثلنا أن يحترز ويتحفظ من سماع كلام أكثر الناس لكان أقرب كما فعل السلف .
قال ابن وهب:كنا عند مالك بن أنس فقال له رجل:يا أبا عبد الله الرحمن على العرش استوى كيف استوى فاطرق مالك وعلته الرحضا فرفع رأسه وقال: الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعه وأراك رجل سوء فأمر به أن يخرج.