سعى ابن حزم، إلى تأسيس مذهب فكري متكامل يكون بديلًا للثقافة المشرقية السائدة. والتف حول مدرسته جم من المفكرين والمؤرخين وعلماء الأصول ورجال القضاء والسياسة، وكانت هذه المدرسة قائمة أساسًا على سلطة النص مستمدة تأثيرها من منطق البرهان .وربما كان فتح باب الاجتهاد في هذه المدرسة بعد غلقه صورة لحرية التّفكير العلمي،واقتضى ذلك إعادة قراءة الأصول التي بني عليها التراث الفكري للحضارة الإسلامية، وقد كان في هذا الجهد مدركًا لضرورة التخلص من أساليب الفهم الجاهزة التي وفرها التراث نفسه، فكان عليه أن يتحرر من سلطانها، داعيًا إلى إيجاد أدوات جديدة لقراءة واعية، ربما فرضتها ظروف تلك المرحلة المتميزة والحاسمة في تاريخ الحضارة الإسلامية وللقارئ أن يعود إلى آرائه في القياس والعلّة والبيان والدليل ... وقد كان ابن حزم عبقرية مجاوزة لعصرها لم تجد من يرعاها بما فيه الكفاية، ومن صور تميّز هذه الشخصية تعدد مصادر الثقافة وموسوعيتها، فعالمنا يتنقل بين علوم نقلية وأخرى عقلية يحكمها إلى درجة عالية من التخصص، وهذا ما يجعل مهمة الإحاطة بالشخصية وآرائها أمرًا شبه مستحيل بالنسبة إلى الدارس المبتدئ.
ولماّ كانت دراستنا هذه تتنزل في سياق تسليط الضوء على الجهود اللسانية التي توضح كيفية التعامل مع الخطاب القرآني، فإننا سنلاحق آراءه في العقائد والفلسفة والمنطق والأصول وعلم الكلام في ضوء المقاربة البيانية التي تبنّاها والقائمة على مبدأ الوضوح الدلالي، ونحصرها في سياق محدد يمثله المذهب الظاهري، علنا نجد فيه الإجابة عن كثير من الأسئلة المطروحة في بناء مشروعه الفكري.