1 -أن النحاة تجاوزوا في مقارنتهم الخبر مع بقية المركّبات وربطهم بين المركّبات مع بعضها، مسألة الحركات الإعرابية إلى النظر في وظيفتها المعنوية في علاقة الجزء الأوّل من المركّب مع الجزء الثاني منه 0
2 -أنّ اعتبار الخبر هو الأصل ومقارنتهم إيّاه مع المركّبات الأخرى يلمّح إلى أن المركّبات التقييدية (غير الإسنادية) ناتجة - في الغالب - عن مركّبات إسنادية بفعل عمليات تحويلية0
3 -إن الانتقال من الخبر (المركّب الإسنادي) إلى المركّبات التقييدية (غير الإسنادية) يتبعه تغيّر في الوظيفة النحوية أي الانتقال من وظيفة الإخبار في المركّب الإسنادي إلى التقييد والتبيين والتخصيص، لأنّ العمليات التحويلية تساهم في التغيير الدلالي0
النتائج الثلاث السابقة لاشكّ أنّها تسير بنا إلى الأمام، ولكنّها ليست كافية لاكتشاف اشتقاق المركّبات، وهنا سنستعين بالنحو التحويلي والمنطق الوضعي، نبدأ بالنحو التحويلي الذي يتدرّج نظام اللغة فيه من الأبسط إلى الأعقد [1] ، فكل جملة من الجمل لها أصولها البسيطة المكونة لها ولا يمكن فهمها إلاّ بفهم هذه الأصول، يقول جومسكى في نص ذكرناه سابقًا نعيده هنا لفائدته: (من أجل أن نفهم جملةً ما من الضروري أن نعرف جمل النواة التي اشتقت منها الجملة، وكذلك التاريخ التحويلي للجملة التي نحن بصددها وتطورها عن جمل النواة التي تعتبر العناصر الأساسية للمحتوى التي نشتق منها جمل أكثر تعقيدًا ومألوفية في الحياة الحقيقية عن طريق التطور التحويلي) [2] .
ويتفق المنطق الوضعي مع النحو التحويلي في هذه المسألة إذ أنّ (معرفة المركّبات لا يتم إلاّ بتحليلها إلى أجزائها البسيطة المكونة لها، فإذا تمّ تحليل مركّب ما وعرفت مكوناته البسيطة التي يتكوّن منها، عند ذاك يمكن معرفة هذا المركّب) [3] . الجملة البسيطة لا تكون بسيطة إلاّ إذا بلغت من البساطة حدًّا يستحيل معه انقسامها إلى جملتين أو أكثر [4] . ويتفق كذلك النحو التحويلي والمنطق الوضعي على عمل التحويلات ودورها في تشكيل الجمل والمركّبات فكما يذهب النحو التحويلي إلى إعطائها دورًا في المعنى، يذهب المنطق الوضعي إلى (أنّ معنى العبارة يعتمد على طريقة تحقيقها) [5] .
وفي رؤية تجمع بين النحو التحويلي والمنطق الوضعي يذهب العالم اللغوي ينجيف في نظريته التي وضعها لتفسّر التراكيب المندمجة، فنظريته تحاول أن تفسر كيف تعمل الذاكرة عند اشتقاق جملة ما في الذهن وخاصّة الجمل التي تحتوي على أكثر من جملة بسيطة، وهي نظرية تلجأ إلى التجريد كالعادة في التعبير عن نفسها، ففي كلّ جملة دلائل من ألفاظها تستدعي كلمات أُخرى تؤدي إلى تركيب جمل أُخرى تندمج في الجملة الأصلية في عملية تشبه عملية تداعي المعاني، إذ تُضاف جمل جديدة بهيئة تراكيب إلى الجملة الأصلية [6] .
وإذا كانت هذه المركّبات في الأصل جملًا مستقلة عن بعضها فإنّها تصبح تراكيب ثانوية مندمجة في في جملة أُخرى إسنادية، أي أنّ أيًّا من هذه المركّبات لا يمكنها أن تظهر لوحدها مستقلّة، فلا بدّ
(1) تشومسكي فكره اللغوي وآراء النقاد فيه: 65.
(2) البنى النحوية: 123.
(3) المنطق الصوري:48 ,
(4) المنطق الوضعي:1/ 54.
(5) ادفيج فتجنشتاين:243.
(6) نظرية تشومسكي اللغوية: 218، الهامش 1.