معناه أنّ القليل من النحو مصلح في الكلام وكثيره مفسد فيه، كما أنّ الملح قليله مصلح في الطعام وكثيره مفسد فيه، بل معناه أنّ الكلام لا يصلح بدون النحو، كما أنّ الطعام لا يصلح بدون الملح، ولذا قال القزويني [1] في الإيضاح:"لأنّ القلة والكثرة إنّما يتصور جريانهما في الملح وذلك بأن يجعل منه في الطعام القدر المصلح أو أكثر منه دون النحو فإنّه إذا كان من حكمه رفع الفاعل ونصب المفعول مثلًا، فإن وجد ذلك في الكلام فقد حصل النحو فيه وانتفى الفساد عنه وصار منتفعًا به في فهم المراد منه وإلا لم يحصل، وكان فاسدًا لا ينتفع به" [2] ، فإهمال النحو فساد ولحن في الكلام، وقال عبد الملك بن مروان [3] : اللحن في المنطق أقبح من الجدري في الوجه. و قال الشاعر:
النّحوُ يبسط من لِسَان الألكن والمرْءُ تكرمه إذا لم يلحن
إذا التمست من العلوم أجلّها ... فأجلّها حقًّا مقيمُ الألسن [4]
وللنحو علاقة وثيقة بدلالة الكلمات، لأن الدلالة تختلف باختلاف الإعراب والبناء والتركيب، ولا يفهم السامع أوالقارء ما يسمعه أو يقرأه على الوجه الحقيقي إلا
(1) هو محمد بن عبد الرحمن بن عمر، أبو عبد الله جلال الدين، قاضي القضاة الخطيب القزويني، الشافعي، المتوفي سنة 739هـ، إمام في علم المعاني، وكان أديبا بارعا فصيحا، واشتغل بالفقه ثم تولى القضاء ببلاد الروم، ثم قدم دمشق، وأتقن الأصول، والعربية والمعاني والبيان، وتولى الخطابة بالجامع الأموي بدمشق، وتولى القضاء في الشام ومصر، ومن مصنفاته، الإيضاح، وتلخيص المفتاح، راجع ترجمته في: الصفدي، الوافي بالوفيات: - المراغي، تاريخ علوم البلاغة والتعريف برجالها: 34
(2) القزويني، الإيضاح
(3) وهو عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية أبو الوليد الأموي أمير المؤمنين المتوفى 86هـ، الخلفية الفقيه، بويع له بالخلافة عند موت أبيه، كان طالب علم قبل الخلافة، ثم اشتغل بها فتغير حاله. راجع ترجمته في: الذهبي، سير أعلام النبلاء، 5/ 234، العسقلاني، تهذيب التهذيب: 4/ 30، السيوطي، تاريخ الخلفاء: 314، ابن كثير، البداية والنهاية: 9/ 61، الخطيب، تاريخ بغداد: 10/ 387
(4) الثعالبي، التمثيل والمحاضرة:121