حسب تفاوُت الكثرة يتفاوت التخفيفُ. لمّا كان القسم ممّا يكثر استعمالُه، ويتكرّر دَوْرُه، بالَغُوا في تخفيفه من غير جهة واحدة.
وقوله:"توخّوا ضروبًا من التخفيف"أي: قصدوا وتَحَرَّوْا أنواعًا من التخفيف.
فمن ذلك أنّهم قد حذفوا فعل القسم كثيرًا للعلم به والاستغناء عنه، فقالوا:"باللَّهِ لأقومنّ"، والمراد: أحلفُ بالله. قال الله تعالى: {بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [1] في أحد الوجهَيْن هو القسمُ، وفي الوجه الآخر يتعلّق بقوله:"لاَ تُشْرِكْ".
وربّما حذفوا المقسم به، واجتزؤوا بدلالة الفعل عليه، يقولون:"أُقْسِم لأفعلنّ"، و"أشهدُ أفعلنّ"، والمعنى: أقسم بالله أو بالذي شاء في أُقسِم به [2] . وإنّما حُذفت لكثرة الاستعمال، وعلْمِ المخاطب بالمراد. قال الشاعر [من الطويل] :
1240 - فأُقْسِمُ أَنْ لَوِ التَقَيْنا وَأَنْتُمُ ... لَكان لَكُمْ يومٌ مِنَ الشَّرّ مُظْلِمُ
وقال الآخر [من الطويل] :
فأُقْسِمُ لَوْ شيءٌ أتانا رَسُولُه ... سِواكَ ولكِنْ لم نَجِدْ لك مَدْفَعا [3]
وقال الفقهاء: لو قال:"أُقْسِم"، أو"أحلفُ"، أو"أشهدُ"، ثمّ حَنِثَ، وجبتْ عليه الكَفّارةُ؛ لأنّه يصرف إلى معنى أقسم بالله ونحوه، إذ كان يلزم المسلمَ إذا حلف أن
(1) لقمان: 13.
(2) كذا في الطبعتين. ولعلّ الصواب:"أو بالذى شاء في أن أقسم به".
1240 - التخريج: البيت للمسيب بن علس في خزانة الأدب 4/ 145، 10/ 80 - 81، 11/ 318؛ وشرح أبيات سيبويه 2/ 185؛ وشرح شواهد المغني 1/ 109؛ وبلا نسبة في جواهر الأدب ص 197؛ وشرح الأشموني 3/ 553؛ وشرح التصريح 2/ 233؛ والكتاب 3/ 107؛ ولسان العرب 12/ 378 (ظلم) ؛ ومغني اللبيب 1/ 33؛ والمقاصد النحويَّة 4/ 418.
الإعراب:"فأقسم": الفاء: بحسب ما قبلها،"أقسم": فعل مضارع مرفوع بالضمة، وفاعله ضمير مستتر تقديره أنا."أن": حرف زائد."لو": حرف شرط غير جازم."التقينا": فعل ماضٍ، و"نا": ضمير متصل، في محل رفع فاعل."وأنتم": الواو: حرف عطف،"أنتم": معطوف على الضمير"نا"في محل رفع."لكان": اللام: واقعة في جواب"لو"،"كان": فعل ماضٍ ناقص."لكم": جار ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر"كان"."يوم": اسم"كان"مرفوع بالضمة."من الشر": جار ومجرور متعلّقان بمحذوف نعت لـ"يوم"."مظلم": نعت ثانٍ مرفوع بالضمة.
جملة"أقسم": بحسب ما قبلها. وجملة"لو التقينا"الشرطية: جواب القسم لا محل لها من الإعراب. وجملة"التقينا": جملة الشرط غير الظرفي لا محل لها من الإعراب. وجملة"لكان لكم ...": جواب شرط غير جازم لا محل لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله:"وأقسم أنّ لو التقينا"حيث حُذفِ المُقْسَم به لكثرة الاستعمال، وعلم المخاطب بالمراد.
(3) تقدم بالرقم 1179.