وعن معقل بن يسار - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: العبادة في الهرج كهجرة إلى » (1) .
قال النووي رحمه الله: «المراد بالهرج هنا: الفتنة واختلاط أمور الناس ، وسبب كثرة فضل العبادة فيه أن الناس يغفلون عنها ويشتغلون عنها ولا يتفرغ لها إلا الأفراد» (2) . وقد ذكر المنذري رحمه الله أن الهرج: هو الاختلاف والفتن، وقد فُسِّرَ في بعض الأحاديث بالقتل، لأن الفتن والاختلاف من أسبابه، فأقيم المسبب مقام السبب» (3) .
ووجه تمثيله - صلى الله عليه وسلم - بالهجرة أن الزمان الأول كان الناس يفرون فيه من دار الكفر وأهله، إلى دار الإيمان وأهله، فإذا وقعت الفتن تعين على المرء أن يفر بدينه من الفتنة إلى العبادة ويهجر أولئك القوم وتلك الحالة، وهو أحد أقسام الهجرة» (4) .
«فالنجاة من الفتن والعصمة منها تكون بالإقبال على عبادة الله والاعتزال عن المخالفين من خلق الله كما دل عليه الحديث السابق» (5) .
قال الأُبِّي: «الهرج: الفتنة والاختلاط، ووجه التشبيه: أن المهاجر فرَّ بدينه ممن يصده عنه إلى الاعتصام بعبادة ربه عز وجل، فهو مهاجر إلى الله سبحانه وتعالى» (6) .
الدعاء
ومما ينجي من الفتن: الدعاء؛ وكيف لا ينجي من الفتن؟ وقد أمر الله تعالي به وتكفل بالإجابة، وهو سبحانه لا يخلف الميعاد، قال تعالي: [وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ] [غافر:60]
وقال سبحانه: [أمَّن يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ] [النمل:62]
من الدعاء المأثور دعاء يونس - عليه السلام - وهو في بطن الحوت: [ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ] [الأنبياء:87]
(1) أخرجه مسلم (2948) كتاب الفتن -باب فضل العبادة في الهرج.
(2) شرح النووي على مسلم (18/88) .
(3) الترغيب والترهيب (4/127) .
(4) عارضة الأحوذي (9/53) .
(5) المصدر السابق، بتصرف.
(6) إكمال المعلم (7/283) .