وتميَّز الجارم بأنه متعدد المواهب فكان شاعرًا فحلًا من شعراء المدرسة البيانية التي ابتدأها البارودي في مصر، ثم تلاه من عظماء شعراء العربية مثل: شوقي، وحافظ، وصبري. وكان الجارم خير سلف لهؤلاء، واستعادت هذه المدرسة أمجاد الشعر العربي في أزهى عصوره وازدهاره. وكان نثره لا يقل جمالًا وحلاوة وقوة سبك عن شعره - ثم كان تبحره في علوم العربية جميعًا ما وضعه في قمة علماء اللغة العربية بحثًا ودراسة وممارسة. ثم كان تخصصه في علوم التربية والتعليم ما جعله رائدًا من رواد تعليم اللغة العربية خاصة عندما ألّفت كُتُبُهُ الرائدة في النحو والبلاغة. غير أنني في هذا الحفل الكريم سوف أقصر كلامي على الجارم وأثره في المجمع اللغوي، ولكنني سوف أذكر لكم ملاحظة عابرة إلا أنها هامة وخطيرة قبل تناولي الموضوع. فقد توفي الجارم في فبراير عام 1949. ولما جاءت ثورة يوليو عام 1952م أنشأت رقابةً عسكرية على المطبوعات والصحافة واتخذت قرارات بالتقييم الكامل على كل ما كان في مصر، قبل الثورة، من آداب أو فنون أو تاريخ. وكأن مصر، لم تبدأ نهضتها الحقيقية إلا في هذا التاريخ. وكان ذلك تزييفًا خطيرًا يأباه العلم وتأباه الوطنية الحقة وتلفظه الحقيقة. فالسيرة الوطنية لأيّ دولة من الدول سلسلة متماسكة الحلقات ولكل فترة دورها وأثرها في حياة الأمة وقد ذكّرني هذا الموقف ببيت شعر للجارم في قصيدته"الجامعة العربية"التي ألقاها عام 1944 بمناسبة إنشاء جامعة الدول العربية والذي يقول فيه:
إذا ضيّعَ التاريخَ أبناءُ أُمةٍ ... فأنفسَهُم في شِرْعَةِ الحقِّ ضَيَّعوا