اتفق الفقهاء على سنية التَّلبية، واستحباب الإكثار منها إجمالًا [1] ، واختلفوا في حكمها عند الإحرام بالحج أو العمرة، فعند الحنفية هي جزءٌ مِنَ الإحرام لا يصح بدونها، ولا يعدُّ ناويًا للنسك إلا إذا قرنه بالتلبية، ويحل محلها ذكر -يُقصد به التعظيم كتسبيح أو تهليل- أو عملٌ يقوم مقام التلبية كسوق الهدي.
وعند المالكية التلبية واجبة، ينعقد الحج بدونها ويحل محلها ذِكْر وعَمَلٌ كالحنفية، وقال الشافعية والحنابلة التلبية سنة.
والمهم هنا أن التلبية للحج _أو العمرة_ تأتي عقب الإحرام به أو معه، والإحرام يأتي عقب صلاة الإحرام، فإذا صلى صلاة الإحرام هل الأفضل أن يُحْرِمَ عقبها وهو جالس؟ أم يحرم إذا ركب مركوبه للتوجه نحو مكة؟
اختلف جمهور الفقهاء في ذلك على قولين:
القول الأول: استحباب التلبية عَقِبَ الصلاة:
قال الحنفية: الأفضل أن يُلبيَ عقب الصلاة التي يريد أن يُحْرِمَ بعدها، واستدلوا لذلك بحديث ابن عباس رضي الله عنه السابق، ومحل الشاهد فيه: (( فَأَهَلَّ - أي لَبَّى - بالحجِّ حينَ فرغ من رَكْعَتَيْهِ ) ) [2] .
القول الثاني: استحباب التلبية حين الركوب على الدابة (أو السيارة) :
قال جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة: الأفضل أن يبدأ بالتلبية بعد أن يركب على دابته إن كان راكبًا، وإن كان ماشيًا يلبي حين البدء بالمشي، لكن الشافعية قالوا: يبدأ بالتلبية حين بدء الدابة بالمسير [3] .
واستدلوا لذلك بحديث ابن عمر رضي الله عنهما السابق، ودلالته على الحكم ظاهرة.
والظاهر للباحث رجحان ما قاله الحنفية من أن الوقت المستحب للتلبية يبدأ حين
(1) يستحب الإكثار من التلبية، وتتأكد إذا على مرتفعًا، أو هبط واديًا، وفي أدبار الصلوات المكتوبات، أو أقبل الليل، أو النهار، أو التقت الرفاق، أو فعل محظورًا، أو سمع ملبيًا، أو ركب دابته أو نزل منها. انظر الروض المربع ص176.
(2) انظر المبسوط 4/ 4، 5، بدائع الصنائع 2/ 145، حاشية ابن عابدين 7/ 13 فما بعدها، المغني 4/ 419، 420، الحج والعمرة ص55.
(3) انظر حاشية الدسوقي والشرح الكبير 2/ 39، الخرشي 2/ 324، الذخيرة 3/ 229، المجموع ومعه المهذب 7/ 223، 225، 226، 232، روضة الطالبين 3/ 72، مغني المحتاج 1/ 643، المبدع 3/ 121، 122، الروض المربع ص176.
ملحظ: قال المالكية: لو أحرم الراكب قبل أن يستوي على دابته، وأحرم الماشي قبل مشيه كفاه ذلك مع الكراهة.
قالوا: والتلبية في ذاتها واجبة، وعدم الفصل بينها وبين الإحرام بكثير واجب، ومقارنتها للإحرام واتصالها به سنة. انظر حاشية الدسوقي 2/ 39.