الصفحة 23 من 148

اختلف جمهور الفقهاء -على أقوالٍ ثلاثة- في الوقت المستحب للإحرام بالحج بالنسبة لأهل مكة، والمقيمين بها من المتمتعين، وسبب الاختلاف راجع إلى الاختلاف من حيث الظاهر بين الأحاديث الثلاثة السابقة، وقبل الشروع في بيان هذه الأقوال أنبه على أن جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة لم يفرقوا في وقت استحباب الإحرام بين أهل مكة وغيرهم، وأما الشافعية ففرقوا بين واجد الهدي وغيره، وفيما يلي بيان الأقوال [1] :

القول الأول: قال الشافعية: يستحب لأهل مكة، والمتمتع بالعمرة -إذا وجد هدي التمتع- أن لا يحرم إلا يوم التروية، وهو الثامن من ذي الحجة، ويتوجه بعد الزوال إلى منى.

واستدلوا لذلك بحديث جابر الأول، وقال الشافعية: وأما المتمتع الذي لا يجد هديًا لتمتعه - وحينئذ يجب عليه الصوم - يستحب له تقديم الإحرام بالحج قبل اليوم السادس، لأن فرضه الصوم، ولا يجوز له الشروع به إلا بعد الإحرام بالحج، وواجبه: ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، ويستحب أن لا يصوم يوم عرفة، فيتعين ثلاثة أيام قبله، وهي السادس والسابع والثامن.

هذا وأخذ الحنابلة بقول الشافعية، بيد أنهم لم يفرقوا بين واجد الهدي وعادمه، فقالوا: يسن لِلْمُحِلِّينَ بمكة سواء كانوا مقيمين بها من أهلها، أو من غيرهم الإحرامَ بالحج يوم التروية.

القول الثاني: قال الحنفية: الأفضل للمتمتع وغيره أن يُعَجِّل الإحرام - إن كان مصونًا عنِ الوقوع في المحظور - بعد دخول أشهر الحج.

واستدلوا لذلك بحديث ابن عباس رضي الله عنه، ومحل الشاهد فيه: (( من أراد الحج فَلْيَتَعَجَّلْ ) ).

القول الثالث: قال المالكية: يستحب الإحرام بالحج لأهل مكة ومن كان بها إذا أَهَلَّ هلالُ ذي الحجة، واستدلوا لذلك بما قاله سيدنا عمر رضي الله عنه، ولم ينكر عليه أحد.

والظاهر للباحث ما قاله الحنفية، من أنه يُستحب التعجيل بالإحرام بعد دخول أشهر الحج إن أَمِنَ من المحظورات، لأن الإحرام للحج عبادة، وكلما طالت مدته كان أفضل، وهذا الأمر موكول لرأي الحاج نفسه.

(1) انظر المجموع 7/ 181، العزيز 3/ 356، روضة الطالبين 3/ 53، مناسك الحج والعمرة للإمام النووي رحمه الله ص115، الروض المربع ص187، المبدع 3/ 208، بدائع الصنائع 2/ 150، المبسوط 4/ 32، المسلك المتقسط ص97، مواهب الجليل 3/ 20، الذخيرة 3/ 204، الخرشي 2/ 300.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت