يأمُرُ اللهُ تعالى المُؤْمِنِين بِأنْ يتّقُوهُ حقّ تُقاتِهِ، وذلِك بِأنْ يُطاع فلا يُعْصى، وأنْ يُشْكر فلا يُكْفر، وأنْ يُذْكر فلا يُنْسى، ويقُولُ لهُمْ: حافِظُوا على الإِسْلامِ في حياتِكُمْ لِتمُوتُوا عليهِ، فمنْ مات على شيءٍ بُعِث عليهِ.
يأمُرُ اللهُ تعالى المُؤْمِنِين بِالتّمسُّكِ بِحبْلِ اللهِ، أيْ بِعهْدِهِ ودِينِهِ وذِمّتِهِ وقُرْآنِهِ، وما أمرهُمْ بِهِ مِن الإِلْفةِ والمحبّةِ والاجْتِماعِ، وينْهاهُمْ عنِ التّفرُّقِ، ويطْلُبُ إليْهِمْ أنْ يذْكُرُوا نِعْمتهُ عليهِمْ إذْ ألّف بيْن قُلُوبِهِمْ، وآخى بيْنهُم بعْد العداوةِ المُسْتحْكِمةِ، والفُرْقةِ التِي كانتْ بيْن الأوْسِ والخزْرجِ، فقدْ كانُوا على مِثْلِ شفِيرِ النّارِ، بِسببِ كُفْرِهِمْ وضلالِهِمْ واقْتِتالِهِمْ، فهداهُمُ اللهُ وأنْقذهُمْ.
وكما بيّن لهُمْ ربُّهُمْ، فِي هذِهِ الآياتِ، ما يُضْمِرُهُ لهُمُ اليهُودُ مِنْ شرٍّ وخِداعٍ وغِشٍّ، وما كانُوا عليهِ فِي حالِ جاهِلِيّتِهِمْ مِنْ كُفْرٍ وفُرْقةٍ واقْتِتالٍ، وما صارُوا إليهِ بِفضْلِ الإِسْلامِ مِنْ وحْدةٍ وإِخاءٍ، كذلِك يُبيِّن سائِر حُججِهِ فِي تنْزِيلِهِ على رسُولِهِ، لِيُعِدّهُمْ لِلاهْتِداءِ الدّائِمِ، حتّى لا يعُودُوا إلى عملِ أهْلِ الجاهِلِيّةِ مِن التّفرُّقِ والعداوةِ والاقْتِتالِ.
لِتكُنْ مِن المُؤْمِنِين جماعةٌ مُتخصِّصةٌ مُتميِّزةٌ تعْرِفُ أسْرار الأحْكامِ، وحِكْمة التّشْرِيعِ وفِقْههُ، تتولّى القِيام بِالدّعْوةِ إلى الدِّين، وتأمُرُ بِالمعْروفِ، وتُحارِبُ المُنْكر، وتنْهى عنْهُ، ومِنْ واجِبِ كُلِّ مُسْلِمِ أنْ يُحارِب المُنْكر ما اسْتطاع إلى ذلِك، وهؤُلاءِ هُمُ الفائِزُون فِي الدُّنْيا والآخِرةِ.
ينْهى اللهُ تعالى المُسْلِمِين عنْ أنْ يكُونُوا كأهْلِ الكِتابِ الذِين تفرّقُوا فِي الدِّينِ، وكانُوا شِيعًا تذْهبُ كُل شِيعةٍ مِنْها مذْهبًا تدْعُو إليهِ، وتُخطِّئُ غيْرها، ولِذلِك تعادوْا واقْتتلُوا.
ولوْ كان فِيهِمْ جماعةٌ تأْمُرُ بِالمعْرُوفِ، وتنْهى عنِ المُنْكرِ، وتتّجِهُ إلى غايةٍ واحِدةٍ، لما تفرّقُوا، ولما اخْتلفُوا فِيهِ. وهؤُلاءِ المُخْتلِفُون المُتفرِّقُون لهُمْ عذابٌ وخُسْرانٌ فِي الدُّنيا، وعذابٌ فِي نارِ جهنّم فِي الآخِرةِ .. [1]
إنهما ركيزتان تقوم عليهما الجماعة المسلمة، وتؤدي بهما دورها الشاق العظيم. فإذا انهارت واحدة منهما لم تكن هناك جماعة مسلمة، ولم يكن هنالك دور لها تؤديه: ركيزة الإيمان والتقوى أولا .. التقوى التي تبلغ أن توفي بحق اللّه الجليل .. التقوى الدائمة اليقظة التي لا تغفل ولا تفتر لحظة من لحظات العمر حتى يبلغ الكتاب أجله: «يا أيُّها الّذِين آمنُوا اتّقُوا اللّه حقّ تُقاتِهِ» ..
اتقوا اللّه - كما يحق له أن يتقى - وهي هكذا بدون تحديد تدع القلب مجتهدا في بلوغها كما يتصورها وكما يطيقها. وكلما أو غل القلب في هذا الطريق تكشفت له آفاق، وجدّت له أشواق. وكلما اقترب بتقواه من اللّه، تيقظ شوقه إلى مقام أرفع مما بلغ، وإلى مرتبة وراء ما ارتقى. وتطلع إلى المقام الذي يستيقظ فيه قلبه فلا ينام! «ولا تمُوتُنّ إِلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُون» ..
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 395، بترقيم الشاملة آليا)