فهرس الكتاب

الصفحة 489 من 849

لقدْ فاز المُؤْمِنُون المُصدِّقُون بِاللهِ ورُسُلِهِ، وسعِدُوا وأفْلحُوا الإِفْلاحُ - الفوْزُ بِالبُغْيةِ بعْد سعْيٍ واجْتِهادٍ.

الذين خشعتْ قُلُوبُهم وخافتْ مِن اللهِ، وسكنتْ. والخُشُوعُ فِي الصّلاةِ إِنّما يحْصلُ لِمنْ فرغ قلْبُه لها، واشْتغل بِها عمّا سِواها، وآثرها على غيْرِها، وحِينئذٍ تكُونُ راحةً لهُ، وقُرّة عيْنٍ.

والذِين ينْصِرِفُون إِلى الجِدِّ، ويُعْرِضُون عمّا لا فائِدة مِنْهُ مِن الأفْعالِ والأقْوالِ (اللّغْوِ) .وقدْ وصف اللهُ تعالى المُؤْمِنِين بِقوْلِهِ: {والذين لا يشْهدُون الزُّور وإِذا مرُّواْ بِاللّغْوِ مرُّوا كِرامًا} أيْ إِنّهُمْ لا يتوقّفُون ولا يلْتفِتُون إِليْهِ.

والذين يُطهِّرًُون أنْفُسهُم بِتأْدِيةِ زكاةِ أمْوالِهِمْ. وهذِهِ الآيةُ مكّيّةٌ، وزكاةُ المالِ فُرِضتْ فِي المدِينةِ، لِذلِك قال بعْضُهُم: إِنّ المقْصُود بالزّكاةِ هُنا زكاةُ النفْسِ مِن الشِّرْكِ والدّنسِ.

والذين يحْفظُون فُرُوجهُم فلا يُقارِفُون مُحرّمًا، ولا يقعُون فِيما نهاهُم اللهُ عنْهُ مِنْ زنىً وغيْرِهِ.

ولا يقْربُون سِوى ما أحلّ اللهُ لهُمْ مِنْ أزْواجٍِههِمْ، وما ملكتْ أيْْمانُهم مِنْ إِماءٍ، ومنْ باشر ما أحلّّ اللهُ لهُ فهُو غيْرُ ملُومٍ فِي ذلِك. فمنْ تجاوز ما أحلّ اللهُ لهُ مِن النِّساءِ إِلى غيْرِهِ مِن الحرامِ، فهْو مِن المُعْتدِين، المُتجاوِزِين حُدُود ما شرع اللهُ.

والذين إِذا ائْتُمِنُوا لمْ يخُونُوا أماناتِهم، بلْ يُؤدُّونها إِلى أهْلِها، وإِذا عاهدُوا أو عاقدُوا أوْفُوا بِذلِك، ولمْ يخُونُوا ولمْ يغْدُرُوا، وبقوا مُحافِظِين على عُهُودِهِمْ وأماناتِهِمْ وعُقُودِهِمْ.

والذين يُداوِمُون على أداءِ صلواتِهِمْ وعِباداتِهِمْ، يُؤدُّونها فِي مواقِيتِها، ويتِمُّونها بِخُشُوعِها، وسُجُودِها، حتّى تُؤدِّي المقْصُود مِنْها، وهُو خشْيةُ اللهِ، والانْتِهاءُ عنِ الفحْشاءِ والمُنْكرِ.

وبعْد أنْ عدّد اللهُ سُبْحانهُ وتعالى أوصاف المُؤْمِنِين الحمِيدة قال إِنّ الذين اتّصفُوا بهذِهِ الصِّفاتِ الرّفِيعةِ يرِثُون الجنّة، ويتبوّءُون أعْلى مراتِبها، جزاءً لهُمْ على ما زيّنُوا بِهِ أنْفُسهُم مِن الصِّفاتِ الحمِيدةِ، والآدابِ العاليةِ، ويبْقون فِيها خالِدِين أبدًا. [1]

هذا تنويه من الله، بذكر عباده المؤمنين، وذكر فلاحهم وسعادتهم، وبأي: شيء وصلوا إلى ذلك، وفي ضمن ذلك، الحث على الاتصاف بصفاتهم، والترغيب فيها. فليزن العبد نفسه وغيره على هذه الآيات، يعرف بذلك ما معه وما مع غيره من الإيمان، زيادة ونقصا، كثرة وقلة، فقوله {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} أي: قد فازوا وسعدوا ونجحوا، وأدركوا كل ما يرام المؤمنون الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين الذين من صفاتهم الكاملة أنهم {فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ}

والخشوع في الصلاة: هو حضور القلب بين يدي الله تعالى، مستحضرا لقربه، فيسكن لذلك قلبه، وتطمئن نفسه، وتسكن حركاته، ويقل التفاته، متأدبا بين يدي ربه، مستحضرا جميع ما يقوله ويفعله في صلاته، من أول صلاته إلى آخرها، فتنتفي بذلك الوساوس والأفكار الردية، وهذا روح

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 2554، بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت