جمَع الله تعالى لنبيِّنا الأنبياءَ عامّة،وأنبياء بني إسرائيلَ خاصّة؛ حتى يسلِّموا له بالنبوّة،وفاءً لما عاهدوا الله تعالى عليه،كما أشار إلى ذلك قولُه سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران:81] .
اقتَرَن المسجد الأقصى بالمسجدِ الحرام في قِبلَةِ التعبُّد للرحمن،وذلك في مسألةِ التوجُّه شطرَه في الصلاة،فقد كان المسجدُ الأقصى قبلةَ الأنبياء السابقين،فما مِن نبيٍّ إلاّ وأعلَنَ أنَّ دينَه الإسلام وإن اختَلَفتِ الشرائع بينهم،وقد كان على سَنَن الأنبياءِ قَبلَه: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام:90] .
وكان من اقتدائه بهم أن يتوجَّهَ إلى البيتِ المقدس في صلاتِه اتِّباعًا لشرعِ الله. ظلَّ على ذلك مدَّةَ نبوَّتِه في مكّة،وهو يرَى الكعبةَ أمامَه،ويطمع في التوجُّه إليها،ولا يسَعُه ذلك لعدمِ شرعِ الله تعالى له،حتّى نزل قوله تعالى: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ [البقرة:144] . ولعلَّ في استقبالِ بيتِ المقدس أوّلًا ثمّ تحويله إلى بَيتِ الله الحَرَام تنبِيهَ المسلمِين إلى ما يجِبُ عليهم القِيامُ به نحوَ بيت المقدِس مِنَ الحِفاظِ عليه من أن يُدَنَّسَ برجسِ الوثنيّة أو المعاصِي السيّئة،ولِتبقَى القدس خالدةً في أذهان المسلمين حتى لا تنسَى ما بقِي فيهم القرآن الكريم وما بقيت قلوبهم عامرةً بالإيمان،وليبقَى هذا الحديثُ في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا مِن خلفِه.
لقد مكَّن الله تعالى للمسلمين فتحَ بيت المقدس في الصَّدرِ الأوّل من الإسلام،أقاموا فيه الصلاةَ،وأمروا بالمعروف،ونهوا عن المنكر،وثبَت دين الله تعالى في الأرض،وما زال والحمدُ لله تعالى كذلك وإن قام الطغيان فيه وصال وجال ردحًا من الزمن،فإنّه لا بدَ زائل كما أذِن الله تعالى بذَلك في قوله: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا [الإسراء:5،6] .