وقد ذكر إبراهيم بن محمد بن عرفة في"تاريخه": أن أحمد ضرب ستة وثلاثين سوطًا (1) .
ورغم ذلك الضرب والإيذاء فإن الإمام صبر واحتسب حتى جاءه الفرج.
قال الإمام أحمد: لما ضربت بالسياط جاء ذاك الطويل اللحية - يعني عجيفًا - فضربني بقائم السيف، فقلت: جاء الفرج تضرب عنقي وأستريح.
فقال له ابن سماعة: يا أمير المؤمنين! اضرب عنقه ودمه في رقبتي. فقال له ابن أبي دواد: لا يا أمير المؤمنين، لا تفعل. فإنه إن قتل أو مات في دارك قال الناس: صبر حتى قتل، فيتخذه الناس إمامًا ويثبتون على ما هم عليه. لا ولكن أطلقه الساعة. فإن مات مات خارجًا من منزلك شك الناس في أمره، وقال بعضهم لم يجبه، فيكون الناس في شك من أمره (2) .
وقال أبو زرعة: دعا المعتصم بعم أحمد بن حنبل ثم قال للناس: تعرفونه؟ قالوا: نعم! هو أحمد بن حنبل؛ قال: فانظروا إليه، أليس هو صحيح البدن؟ قالوا: نعم! إذ لولا أنه فعل ذلك لكنت أخاف أن يقع شر لا يقام له؛ فلما قال: قد سلمته إليكم صحيح البدن، هدأ الناس وسكتوا (3) .
ورغم كل الذي أصاب الإمام أحمد فإن النفس الكريمة تأبى إلا أن تعفو وتصفح.
قال أحمد بن سنان: بلغني أن أحمد بن حنبل جعل المعتصم في حل يوم فتح بابل أو في يوم عمورية؛ فقال: هو في حل من ضربي (4) .
وبعد خروج الإمام أحمد من السجن، لزم بيته طوال مدة خلافة المعتصم، ثم في أيام ابنه الواثق.
ـــــــــــــ
(1) نقلًا عنه المناقب 413.
(2) المناقب 419 - 420.
(3) المناقب 420.
(4) المناقب 412.