قال حمدان بن علي الوراق: ذهبنا إلى أحمد بن حنبل سنة ثلاث عشرة، فسألناه أن يحدثنا فقال: تسمعون مني ومثل أبي عاصم في الحياة! أخرجوا إليه (1) .
ولقد كان ذيوع اسمه بالعلم والزهد والتقوى سببًا في الازدحام في درسه.
ولقد ذكر بعض الرواة أن عدة من كانوا يستمعون إلى درسه نحو خمسة آلاف، وأنه كان يكتب منهم نحو خمسمائة (2) .
ومن الأمور التي جعلت لدروسه أثرًا في النفوس: الوقار والسكينة مع التواضع واطمئنان النفس، فكان الإمام أحمد لا يمزح ولا يلهو. قال عبدوس: رآني أبو عبد الله يومًا وأنا أضحك، فأنا أستحييه إلى اليوم (3) .
وثاني هذه الأمور: أنه ما كان يروي الأحاديث إلا بطلب الرواية، حتى يكون الإقبال عليها، وإذا روى الحديث لا يرويه إلا من الكتاب (4) ، حتى لا يقع الخطأ فيما يرويه، فيقول شيئًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقله.
والأمر الثالث: أنه كان لا يسمح بالكتابة إلا بكتابة الأحاديث، بل إنه كان يوجب الكتابة على تلاميذه كما كان يوجبها على نفسه، عندما كان يتنقل في الأقاليم (5) .
أما رأيه وفتاواه فكان يكره أن تكتب. قال حنبل بن إسحاق: رأيت أبا عبد الله يكره أن يكتب شيء من رأيه أو فتواه (6) .
وقال المروزي: رأيت رجلًا خراسانيًا قد جاء إلى أبي عبد الله فأعطاه جزءًا. فنظر فيه أبو عبد الله فإذا فيه كلام لأبي عبد الله. فغضب فرمى الكتاب من يده (7) .
ـــــــــــــ
(1) المناقب 245.
(2) تاريخ المذاهب 2: 293.
(3) المناقب 273.
(4) تاريخ المذاهب 2: 294.
(5) تاريخ المذاهب 2: 295.
(6) المناقب 251.
(7) المناقب 251.