جلوسه للفتوى والحديث:
طلب أحمد الحديث من كل رجاله. ولم يقتصر على بغداد والبصرة والكوفة ومكة والمدينة، بل ذهب إلى اليمن، وهم بأن يذهب إلى مصر وراء شيخه الشافعي رضي الله عنه. وما سمع برجل له علم بالحديث إلا وذهب إليه وروى عنه (1) . حتى جمع أشتات العلوم الدينية، وآن له أن يعطي بعد أن أخذ، وأن يملي بعد أن استملى.
قال نوح بن حبيب القوسي: رأيت أبا عبد الله أحمد بن حنبل في مسجد الخيف في سنة ثمان وتسعين ومائة مستندًا إلى المنارة، وجاءه أصحاب الحديث، فجعل يعلمهم الفقه والحديث ويفتي الناس في المناسك (2) .
إلا أن الإمام أحمد رضي الله عنه لم يتصدر للحديث والفتوى، ولم ينصب نفسه لهما حتى تم له أربعون سنة (3) .
قال ابن الشاعر: جئت إلى أحمد بن حنبل فسألته أن يحدثني في سنة ثلاث ومائتين. فأبى أن يحدثني. فخرجت إلى عبد الرزاق، ثم رجعت في سنة أربع وقد وجدت أحمد واستوى الناس عليه، وكان لأحمد في هذا اليوم أربعون سنة (4) .
وهذا لا يعني أنه لم يكن يفتي إذا سئل عن أمر. فذلك كتمان للعلم، وإنما كان يفتي قبل الأربعين إذا لم يكن من الفتوى بد، فالضرورة تكون ملجئة إليها، أما الجلوس للدرس الذي يقصده طلاب العلم للأخذ عنه والرجوع إليه، فإنه لم يتصدر له أحمد إلا بعد الأربعين، وعندما وجد المكان شاغرًا فملأه، وعندما وجد أن الإتباع للهدي المحمدي يوجب عليه أن يقصد للإرشاد والإفتاء بعد الأربعين (5) . أما قبل ذلك فكان يتحاشى أن يحدث الناس بوجود مشايخه.
ـــــــــــــ
(1) تاريخ المذاهب الإسلامية، لأبي زهرة 2: 291.
(2) المناقب 243.
(3) المناقب 244.
(4) المناقب 244.
(5) تاريخ المذاهب 2: 292.