وقيل لأبي زرعة: من رأيت من المشايخ المحدثين أحفظ؟ قال: أحمد بن حنبل. حرزت كتبه في اليوم الذي مات فيه فبلغت اثنى عشر حملًا وعدلًا. ما كان على ظهر كتاب منها"حديث فلان"ولا في بطنه."حدثنا فلان"وكل ذلك كان يحفظه عن ظهر قلبه (1) .
كل تلك المقدرة على الحفظ، يساويها فهم وغزارة علم واستيعاب.
قال أبو القاسم الجبلي: أكثر الناس يظنون أن أحمد إنما كان أكثر ذكره لمواضع المحنة، وليس كذلك، كان أحمد بن حنبل إذا سئل عن المسألة كأن علم الدنيا بين عينيه (2) .
وقال سعيد الرازي: ما رأيت أسود الرأس أحفظ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أعلم بفقهه ومعانيه من أبي عبد الله أحمد بن حنبل (3) .
ومن المسائل التي تدل على فقهه: أنه سئل عن رجل حلف بالطلاق ثلاثًا أنه يريد أن يطأ امرأته الليلة فوجدها حائضًا، قال: تطلق منه امرأته ولا يطؤها، قدأاباح الله الطلاق وحرم وطء الحائض (4) .
ومن ذلك أيضًا: أنه سئل عن رجل نذر أن يطوف بالبيت على أربع، فقال: يطوف طوافين، ولا يطوف على أربع (5) .
ومن ذلك أيضًا: أنه سئل عن تشميس دودة القز ليموت في ذلك المنسوج عليه، كي لا يعود فيقرض ما عليه من القز، فقال: إذا لم يجدوا منه بدا، ولم يريدوا بذلك أن يعذبوه بالشمس، فليس به بأس. وهذا فقه كبير منه (6) .
ـــــــــــــ
(1) السير 11: 188.
(2) المناقب 89.
(3) المناقب 70.
(4) المناقب 91.
(5) المناقب 93.
(6) المناقب 93.