بن عمرو بن العاص والزبير. وهكذا ظهرت في هذا الدور نزعتان في الفقه: نزعة الإكثار من الرأي ونزعة الإقلال منه. ولا شك أن مرد هاتين النزعتين ليس اعتقاد المقلين حرمة الأخذ بالرأي، وإنما مرده أمر آخر، هو على ما نرجح، طبيعة الفقيه نفسه، وما خطر على ذهنه ونمط تفكيره.
الاختلاف في الرأي:
كما سبق فإن الفقهاء من الصحابة اجتهدوا. والاجتهاد يتبعه اختلاف أو اتفاق. فالاختلاف في الرأي نتيجة حتمية للاجتهاد، وهو دليل حيوية الفقه، كما أنه دليل إعمال الفقهاء عقولهم وشدة حرصهم على معرفة الصواب. وإنما كان الخلاف أمرًا طبيعيًا للاجتهاد بالرأي لأن العقول ليست واحدة، ومدارك الفقهاء ليست واحدة، وعمق الملكة الفقهية ليس واحدًا في الجميع.
أسباب اختلاف الفقهاء في هذ العصر:
1 -اختلافهم بسبب علم البعض بالسنة وعدم علم البعض الآخر بها.
2 -اختلافهم بسبب تفاوت فهمهم للنصوص.
3 -اختلافهم بسبب الاجتهاد فيما لا نص فيه. فمنهم من يستعمل القياس، ومنهم من يأخذ بالمصلحة، أو بسد الذرائع، أو غيرها (1) .
الاختلاف قليل لا كثير:
ومع أن الفقهاء في هذا العصر اختلفوا، إلا أن اختلافهم كان قليلًا لا كثيرًا، لأن الاجتهاد كان يأخذ شكل الشورى، لا سيما في زمن أبي بكر وعمر. وهذا المسلك يقرب وجهات النظر، ويقضي على الاختلاف في معظم الأحيان. إن الفقه كان في هذا العصر فقهًا واقعيًا، بمعنى أن الفقهاء ما كانوا يفرضرن المسائل مقدمًا ويبحثون عن حكمها، وإنما يفتون إذا وقعت الحادثة
ـــــــــــــ
(1) المدخل للفقه اللإسلامي، لعبد الله الدرعان: 84 - 87.