الصفحة 544 من 651

وكما أن قول ابن مسعود فيما رواه عنه إبراهيم أنه قرأ: { فامضوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } فما صح عنه { فامضوا } ؛ لأن السند غير متصل إذ أن إبراهيم النخعي لم يسمع من عبد الله بن مسعود شيئًا، وإنما ورد { فامضو } عن عمر رضي الله عنه [1] . فإذا انفرد أحد بما يخالف الآية والجماعة كان ذلك نسيانًا منه، والعرب مجمعة على أن السعي يأتي بمعنى المضي، غير أنه لا يخلو من الجد والانكماش، كقول زهير:

سعى ساعيًا غيظ ابن مرة بعد ما ... تبزَل ما بين العشيرة بالدَّمِ

أراد بالسعي المضي بجد وانكماش، ولم يقصد للعدو والإسراع في الخطو" [2] ."

وقال القرطبي أيضًا:

"ومما يدل على أنه ليس المراد هنا العدو: قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون) الحديث [3] ، ومحال أن يخفى هذا المعنى على ابن مسعود على فصاحتة وإتقان عربيته" [4] .

وقال ابن كثير في قوله تعالى: { فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } .

"أي: اقصدوا واعمدوا واهتموا في مسيركم إليها، وليس المراد بالسعي ها هنا: المشي السريع، وإنما هو الاهتمام بها" [5] .

كما أنه بالتأمل في هذه الأقوال الثلاثة - العمل، القصد والنية، السعي على الأقدام- نجدها متلازمةً؛ لأن العمل أعم من السعي، والسعي أخص، فلا تعارض بين أعم وأخص والنية شرط في العمل، وأولى هذه الأقوال كلها: ما جاء في قراءة عمر رضي الله عنه الصحيحة: فامضوا، فهي بمنزلة التفسير للسعي.

(1) قراءة عمر علقها البخاري بصيغة الجزم في كتاب:التفسير،باب قوله { وَآَخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ } قبل حديث (4897) وانظر تغليق التعليق (4/341) .

(2) انظر الجامع لأحكام القرآن (18/102- 103) .

(3) سبق تخريجه.

(4) الجامع لأحكام القرآن (18/103) بتصرف.

(5) تفسير القرآن العظيم لابن كثير ( 13/559) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت