الوجه الرابع: كون المستعمل للدواء الوارد في الأحاديث الصحيحة، يحصل النفع العظيم بسبب التبرك وصدق العقد، هذا فيه تناقض، بيانه: أن ابن خلدون زعم أن ذلك ليس من الشرع في شيء، فكيف يؤثر فيه الاعتقاد المشار إليه؟ يلزم من هذا أن من ترك تأبير النخل، ونحوه بقصد التبرك بظن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصدق العقد فيه، يحصل له بذلك النفع العظيم، وهذا باطل. نعم يؤثر قصد التبرك، وصدق الاعتقاد فيما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من أدوية روحية نفسية، مما لا يعلم كيفية تأثيره. أما الأدوية الحسية التي جاء ذكرها في الشرع، فهي مشتملة على مادة الدواء بخلق الله لها، فقد تنفع وإن لم يوجد صدق العقد فيها. إذ كان الله قد خلق فيها خاصية الدواء، ودلّ عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - بالخبر الصادق.
الوجه الخامس: أن ما مثل به من وصف العسل للمبطون، لا يدل على مطلوبه، لأن القصد من إيراده بيان ما أسسه من كون النفع الحاصل من تلك الأدوية، كان بسبب صدق الاعتقاد لا أنها في الواقع فيها دواء، فهذا العسل يقرر الأطباء أنه مضر للمبطون، فلما شربه ذلك الرجل بصدق العقد حصل به الشفاء، هذا تقرير حجته، ولكنها باطلة منتقضة لأمرين:
أولًا: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما وصفه إلا وهو يعلم أنه دواء، ولهذا لما أنكر الرجل أثره الدوائي في بادئ الأمر، أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بتكراره، ليقينه أنه علاجه، وقد كان كذلك في آخر الأمر.
وثانيًا: قد ثبت الآن لدى الأطباء أن العسل من أنجع الأدوية في حالات الإسهال، وتقدم هذا في موضعه. فدل هذا على أن ما استشهد به ابن خلدون، من وصف