قلت (القائل هو القرطبي) : أقوال المفسرين واللغَوِيّين تدلّ على ما ذكرنا، وأن مرادهم بالنظر إليه قَتْلُه. ولا يمنع كراهة الشيء من أن يصاب بالعين عداوة حتى يهلك. وقرأ ابن عباس، وابن مسعود، والأعمش، وأبو وائل، ومجاهد: {ليزهقونك} أي ليهلكونك. وهذه قراءة على التفسير: من زهقت نفسه وأزهقها. وقرأ أهل المدينة { لَيَزْلِقُونَكَ} بفتح الياء. وضمها الباقون، وهما لغتان بمعنىً.. يقال: زَلَقه يَزْلِقه، وأزلقه يُزلقه إزلاقًا: إذا نَحّاه وأبعده. وزَلَق رأسه يَزْلِقه زلقًا: إذا حلقه ... فمعنى الكلمة إذًا التنحية والإزالة، وذلك لا يكون في حقّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلا بهلاكه وموته. قال الهَرَوِيّ: أراد لَيعتانونك بعيونهم، فيزيلونك عن مقامك الذي أقامك الله فيه عداوةً لك.. وقال الكلبي: يَصْرَعونك. وعنه أيضًا والسُّدّي وسعيد بن جُبَير: يصرفونك عما أنت عليه من تبليغ الرسالة. وقال العَوْفِيّ: يَرْمُونك. وقال المُؤَرّج: يُزيلونك. وقال النّضْر بن شُميل والأخفش: يفتنونك. وقال عبد العزيز بن يحيى: ينظرون إليك نظرًا شزْرًا بتحديق شديد. وقال ابن زيد: لَيَمَسّونك. وقال جعفر الصادق: ليأكلونك. وقال الحسن وابن كَيْسان: ليقتلونك. وهذا كما يقال: صرعني بطرفه, وقتلني بعينه. قال الشاعر:
ترميك مَزْلَقَةُ العيون بطرفها وتَكِلُّ عنك نصالُ نَبْلِ الرامي
وقال آخر:
يتقارضون إذا التقَوْا في مجلس نَظَرًا يُزل مواطىء الأقدام
وقيل: المعنى أنهم ينظرون إليك بالعداوة، حتى كادوا يسقطونك. وهذا كله راجع إلى ما ذكرنا، وأن المعنى الجامع: يصيبونك بالعين. والله أعلم [1]
(1) تفسير القرطبي , محمد بن أحمد: ( 18/256) ومابين القوسين من الزمخشري , محمود بن عمر , الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل (4/148) .