شبهة أن مسألة التترس خاصة بصورة التحام الصفوف
السؤال التاسع:
تأصيلٌ جيدٌ يا شيخ، ولكني سمعت بعضهم يقول إنه لا يصح الاستدلال بهذه المسألة لأنها خاصة ومتعلقة بصورة معينة في الحرب عند التقاء الصفوف، لا أن يقتل المسلمون في كل حال، فبماذا تردون - أيدكم الله - على هذا الكلام؟
الشيخ: للأسف يا أخي الكريم أن هؤلاء الذين يتمسحون بالعلم الشرعي، إما أنهم لا يفقهون مثل هذه المسائل العظيمة فيكون كلامهم هذا سببه الجهل وقلة الفقه، وإما أنهم يريدون التلبيس على المسلمين وإضلالهم بمثل هذه الشبهات إرضاءً للحكام والولاة، وشيخ الإسلام رحمه الله قد ذكر هذه المسألة في مواضع عدة من كتبه، ومن تأمل كلامه رحمه الله الذي أوردناه آنفًا وما ذكره في تلك المواضع يدرك فساد هذا القول الذي يفرق بين حال المواجهة والتحام الصفوف، وبين غيرها من أحوال الحرب.
إن شيخ الإسلام علق الحكم على خوف الضرر، وهذا يدلك على أن المسألة متعلقة بالقاعدة المعروفة وهي أنه يجوز ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، أو ما يسمى بارتكاب أخف الضررين، ولا شك أن قتل المسلمين مفسدة، ولكن علو الكفار في الأرض وسيطرتهم على بلاد المسلمين وإذلالهم وقهرهم ونهب ثرواتهم وتدخلهم في سياسات التعليم وتغيير المناهج وغير ذلك من الأمور التي قد تفضي إلى وقوع المسلمين في الفتنة العظيمة في الكفر والشرك والردة والتفسخ والانحلال، لا شك أن هذا أعظم وأكبر مفسدة من مفسدة قتل المسلمين وقد قال الله تعالى: (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) والفتنة هنا هي الردة والكفر والعياذ بالله، ولقد رأينا كيف تؤثر هذه العمليات المباركة في الضغط على الكفار وإضعافهم وقذف الرعب في قلوبهم، الأمر الذي سوف يحقق ما ننشده ونصبوا إليه إذا توالت عليهم الضربات بهذه الصورة بحول الله تعالى وقوته.
و مما يؤكد الكلام الذي ذكرته أن شيخ الإسلام رحمه الله قال في أحد المواضع التي كان يقرر فيها هذه القاعدة العظيمة - أعني قاعدة ارتكاب أخف الضررين - قال رحمه الله:
"وكذلك في باب الجهاد وإن كان قتل من لم يقاتل من النساء والصبيان وغيرهم حراما، فمتى احتيج إلى قتال قد يعمهم مثل الرمي بالمنجنيق والتبييت بالليل جاز ذلك، كما جاءت فيها السنة في حصار الطائف ورميهم بالمنجنيق، وفى أهل الدار من المشركين يبيتون، وهو دفع لفساد الفتنة أيضا بقتل من لا يجوز قصد قتله، وكذلك مسألة التترس التي ذكرها الفقهاء فان الجهاد هو دفع فتنة الكفر، فيحصل فيها من المضرة- يعني مضرة قتل المسلمين - ما هو دونها- أي دون مضرة فتنة الكفر - ولهذا اتفق الفقهاء على أنه متى لم يمكن دفع الضرر عن المسلمين إلا بما يفضي إلى قتل أولئك المتترس بهم جاز ذلك، وإن لم يخف الضرر لكن لم يمكن الجهاد إلا بما يفضي إلى قتلهم ففيه قولان، ومن يسوغ ذلك يقول قتلهم لأجل مصلحة الجهاد، مثل قتل المسلمين المقاتلين، يكونون شهداء". أ هـ مجموع الفتاوى 20/ 52 - 53
فأنت تلحظ في كلام شيخ الإسلام هذا كيف أنه يركز على قضية دفع مفسدة الكفر وفتنته وأنها أعظم المفاسد وأعلاها، وكل ما سواها من المفاسد فهو دونها وذكر لذلك عدة أمثلة منها مسألة التترس التي نحن بصدد الكلام عليها.