على أنني في كتابة هذا البحث اعتمدت المصادر الأصلية، ورجعت إلى الروايات المتقدمة وسجلت من أفواه الرواة ما يتحدث عن الحدث مباشرة، وحاولت تصحيح الرواية حينًا قبل اعتمادها أو التعليق عليها، حتى إذا توسعت في مدلول الرواية، وفقهها أو استنجت من وراء النص درسًا وعبرة، كان الأساس الذي اعتمدته متينًا والمصدر الذي نقلت عنه مطمئنًا.
وهذا المنهج النقدي للمرويات رغم أهميته وقناعتي بجدواه، فمن الإنصاف أن أقول أنني لم أستطع طرده وتطبيقه على كل المرويات التي نقلتها، فأستأنس أحيانًا بشهرة الرواية وتضافر كتب السيرة الأولى على ذكرها، وأتسامح أحيانًا بالاستشهاد برواية لا تحل حرامًا أو تحرم حلالًا، مستحضرًا تسامح العلماء وتفريقهم في قبول رواية الراوي الضعيف في المغازي والتاريخ عنها في أمور الحلال والحرام.
ومع اعتمادي كثيرًا على المصادر الأولية، فلم أهمل الإفادة من المصادر الناقلة عن المصادر الأصلية، فقد يكون لمؤلفيها ترجيح أو توضيح لا يُستغنى عنه، كما أنني لم أنقطع عن الإطلاع والاستفادة من عدد من الدراسات الحديثة.
ورغم ما قدمته في هذه الدراسة من جهد، وما وصلت إليه من نتائج، فهو في سياق جهد البشر، وهو عرضة للخطأ والصواب، وما كان فيه من صواب فمن توفيق الله، وما كان من خطأ فمن نفسي والشيطان، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تمهيد
ويشمل:
(*) التعريف بموقع الحبشة وديانة أهلها.
الحبش والحبشة جنس من السودان، كما نقل الرازي (1) . وأرض الحبشة بالجانب الغربي من بلاد اليمن، ومسافتها طويلة جدًا، ويقال إنهم من ولد حبش بن كوش بن حام، وقال بان دريد: جمع الحبش أحبوش - بضم أوله- وأما قولهم: الحبشة فعلى غير قياس (2) .
ومن عجب أنني لمن أجد ذكرًا للحبشة في معجم ياقوت - في حرف الحاء-
(1) مختار الصحاح، ص 121.
(2) ذكره ابن حجر في الفتح 7/190،191.