وما ذكرت هذه المسألة إلا لأبين أن العبادة حينما يستشعر الإنسان لذتها وحلاوتها وحين يقبل عليها بكمال خشوعها فإنه حينئذ يكون بغير شعور مطولًا لقيامها وسجودها، ولذلك وصفت عائشة رضي الله عنها في الصحيح قيام النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: (( يسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه ) ) (33) [1] .
3 -كيفية السجود: ليست القضية هي طول السجود كيفما اتفق، كلا، فهناك بعض الناس في السجود يفترش ذراعيه ويجعل بطنه ملتصقًا بفخذيه.
فإذا سجد بهذه الهيئة يكون السجود له راحة كأنه شبه مضطجع أو شبه نائم فيطيل السجود ما شاء الله له أن يطيل، كلا ليس هذا هو المقصود بل المقصود أن يأتي بالسجود على هيئته الصحيحة ثم يطيل هذا السجود فلا يطيله حينئذ لأنه راحة يتخلص بها من تعب الوقوف. عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب ) ) (1) [2] .
عن عبد الله بن بحينة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى فرّج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه (2) [3] .
وحقيقة المقصود بطول السجود هنا هو أن الإنسان إذا أقبل على الله بكليتيه واستحضر هذه المعاني الإيمانية فإنه سيجد لذة عجيبة في المناجاة تجعله يطيل هذا السجود، بدون شعور بعناء، وقد روي أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه كان إذا سجد جاءت الطير فوقعت ووقفت عليه كأنه حائط أو كأنه صخرة ثابتة لا تتحرك. وهنا أمران إحداهما أنه كان ساكنًا لا يتحرك وثانيهما أنه كان مطيلًا للسجود، إذ لو كان سجوده طويلًا مع الحركة، أو كان سجوده قصيرًا ولو دون حركة، لما أستقر الطير عليه، ولا شك أن خشوع الجوارح من خشوع القلب، عن على رضي الله عنه: الخشوع خشوع القلب. وقال الحسن البصري: كان خشوعهم في قلوبهم فغضوا بذلك أبصارهم وخفضوا الجناح (*) [4] .والمندوب في السجود أن يكون السجود طويلًا ولا يكون طويلًا إلا مع الأذكار والأدعية المأثورة.
(1) البخاري (فتح الباري) 3/ 11،كتاب التهجد: باب طول السجود في قيام الليل. حديث رقم (1123) .
(2) صحيح مسلم (شرح النووي) 4/ 279، كتاب الصلاة، باب الاعتدال في السجود ... ، حديث رقم (493) .
(3) صحيح مسلم (شرح النووي) 4/ 280، كتاب الصلاة باب ما يجمع صفه الصلاة، حديث رقم (495) .
(4) (*) تفسير القرآن العظيم، 3/ 382.