الصفحة 55 من 245

فلو كان الحاس يدرك المبصر الواحد من اجل أنه واحد لقد كان يدركه أبدًا واحدًا على اختلاف أحوال البصرين. ولو كان لا يرد إليه شيء من المبصر الواحد اثنين. وإذا كان الحاس الأخير إنما يدرك المبصرات من الصور التي ترد إليه، وكان يدرك المبصر الواحد في بعض الأحوال اثنين وفي بعض الأحوال واحدًا، دل ذلك على أن الذي يرد إليه في حال إدراكه المبصر الواحد اثنين هو صورتان وأن الذي يرد إليه في حال إدراكه ذلك المبصر واحدًا هو صورة واحدة . فإذا كان في كلا الحالين يحصل للمبصر الواحد في البصرين صورتان وكان الذي يتأدى إلى الحاس الأخير في بعض الأحوال هو صورتان وفي بعض الأحوال هو صورة واحدة، وكانت الصور التي تتأدى إلى الحاس الأخير إنما تتأدى إليه من المبصر، فإن الذي يتأدى إلى الحاس الأخير من الصورتين اللتان تحصلان في المبصرين للمبصر الواحد في حال إدراكه واحدًا هو صورة واحدة.

وليس تتأدى الصور إلى الحاس الأخير من أحد البصرين دون الأخر مع سلامة البصرين وإدراك ذلك المبصر بكل واحد من المبصرين. وإذا كان الذي يتأدى إلى الحاس من كل واحد من الصورتين اللتين تحصلان في البصرين للمبصر الواحد في حال إدراك ذلك المبصر واحدًا هو صورة واحدة ، وكانت الصور تتأدى من البصرين جميعًا إلى الحاس الأخير، فالصورتان إذن اللتان تحصلان في البصرين للمبصر الواحد عند إدراكه واحدًا تمتدان من البصرين وتلتقيان قبل إدراك الحاس الأخير لهما، ومن بعد التقائهما واتحادهما يدرك الحاس الأخير الصور المتحدة منهما. فالصورتان اللتان تحصلان في البصرين للمبصر الواحد في حال إدراكه اثنين تمتدان من البصرين ولا تلتقيان وتنتهيان إلى الحاس الأخير وهما صورتان. فالصورتان اللتان تحصلان في البصرين للمبصر الواحد في حال إدراكه واحدًا تلتقيان قبل وصولهما إلى الحاس الأخير، ومن بعد التقائهما يدرك الحاس الأخير من الصورة المتحدة منهما صورة ذلك المبصر.

وأيضًا فإن إدراك المبصر الواحد في بعض الأحوال واحدًا وفي بعض الأحوال اثنين دليلًا على أن الإبصار ليس هو بالبصر فقط. لأنه لو كان الإبصار بالبصر فقط لكان البصران إدراك المبصر الواحد واحدًا قد أدركا من الصورتين اللتين تحصلان فيهما للمبصر الواحد صورة واحدة ولكانا أبدًا يدركان من الصورتين اللتين تحصلان فيهما للمبصر الواحد صورة واحدة.

وإذا كان المبصر الواحد يدرك في بعض الأحوال واحدًا وفي بعض الأحوال اثنين، وفي كلا الحالين له في البصرين صورتان، دل ذلك على أن هناك حاسًا آخر غير البصر تحصل عنده للمبصر الواحد في حال إدراكه واحدًا صورة واحدة مع حصول صورتي ذلك المبصر في البصرين، وتحصل عنده للمبصر الواحد عند إدراكه اثنين صورتان، فإن الإحساس إنما يتم بذلك الحاس لا بالبصر فقط. ففي إدراك المبصر الواحد في بعض الأحوال واحدًا وفي بعض الأحوال اثنين دليل على أن الصور التي تحصل في البصر تتأدى إلى الحاس الأخير، وإن بالحاس الأخير يكون تمام الإحساس لا بالبصر فقط، وفيه دليل على أن الصورتين اللتين للمبصر الواحد في حال إدراكه واحدًا تلتقيان قبل إدراك الحاس الأخير لهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت