وقد تبين أن البصر إذا قابل المبصر فإنه يتشكل بين المبصر وبين مركز البصر مخروط رأسه مركز البصر وقاعدته سطح المبصر، فيكون بين كل نقطة من سطح المبصر وبين مركز البصر خط مستقيم متوهم هو عمود على سطوح طبقات البصر، ويكون المخروط مشتملًا على جميع هذه الخطوط، ويكون سطح الجليدية قاطعًا لهذا المخروط لأن مركز البصر الذي هو رأس المخروط من وراء سطح الجليدية. وإذا كان الهواء الذي بين البصر وذلك المبصر متصلًا فإن الصورة تكون ممتدة من ذلك المبصر على سمت هذا المخروط في الهواء الذي يحوزه هذا المخروط في طبقات البصر المشفة إلى الجزء من سطح الجليدية الذي ينفصل بهذا المخروط، ويكون المخروط مشتملًا على جميع السموت التي بين البصر والمبصر التي يدرك منها البصر صورة ذلك المبصر، وكون الصورة مرتبة في هذا المخروط كترتيبها في سطح المبصر، ويكون الجزء من سطح الجليدية الذي ينفصل بهذا المخروط يشتمل على جميع صورة المبصر الذي عند قاعدة هذا المخروط، وتكون الصورة مرتبة في هذا الجزء من سطح الجليدية بالخطوط المستقيمة الممتدة بين المبصر ومركز البصر التي من سموتها يدرك البصر تلك الصور كترتيب أجزاء سطح المبصر، لأن هذه الخطوط تقطع هذا الجزء من سطح الجليدية ويقطعه كل واحد منها على نقطة واحدة فقط.
وقد تبين أن الإحساس إنما يكون بالجلية . فإحساس البصر بالضوء واللون اللذين في سطح البصر إنما يكون من الجزء من الجليدية الذي يقدره المخروط المتشكل بين ذلك المبصر وبين مركز البصر وقد تقدم أن هذه الرطوبة فيها بعض الشفيف وفيها بعض الغلظ، ولذلك تشبه بالجليد. فلأن فيها بعض الشفيف فهي تقبل الصور فتنفذ الصور فيها بما فيها من الشفيف، ولأن فيها بعض الغلظ فهي تدافع الصور وتمنعها من النفوذ بما فيها من الغلظ، وتثبت الصور في سطحها وفي جسمها للغلظ الذي فيها. كذلك جسم مشف فيه بعض الغلظ إذا أشرق عليه الضوء نفذ الضوء فيه بحسب ما فيه من الشفيف وتثبت الصور في سطحه بحسب ما فيه من الغلظ كما تثبت في سطوح الأجسام الكثيفة، ويثبت الضوء أيضًا في جميع الجسم إذا نفذ فيه للغلظ الذي فيه فيظهر الضوء في سطحه وفي جميع الجسم بحسب ثبوته فيه.
وأيضًا فإن الجليدية متهيئة لقبول هذه الصور وللإحساس بها. فالصور تنفذ فيها للقوة القابلة الحساسة أيضًا التي هي فيها التي هي متهيئة للإحساس بها، وهي متهيئة لقبول هذه الصور من سموت خطوط الشعاع، فالصور تنفذ في جسمها على استقامة خطوط الشعاع.
فإذا حصلت الصورة في سطح الجليدية فهي تفعل فيها والجليدية تنفعل فيها، لأن من خاصة الضوء أن يفعل بالبصر ومن خاصة البصر أن ينفعل بالضوء. وهذا الذي يفعله الضوء بالجليدية ينفذ في جسم الجليدية على استقامة خطوط الشعاع فقط. وإذا نفذ الضوء في جسم الجليدية فاللون ينفذ معه لأن اللون ممتزج بالضوء. والجليدية تقبل هذا الفعل وهذا النفوذ من صور الأضواء والألوان لأنها متهيئة للانفعال بهذه الصور. ومن هذا الفعل وهذا الانفعال يكون إحساس الجليدية بتأثير صور المبصرات، ومن الصورة التي تحصل في سطحها وتنفذ في جميع جسمها يكون إحساسها بالمؤثر، ومن ترتب أجزاء الصورة فيسطحها وفي جميع جسمها يكون إحساسها بترتيب أجزاء المؤثر.