الصفحة 18 من 245

فنقول في جواب هذا الاعتراض إن جميع الهواء مضيء بضوء الشمس في سائر الأوقات، وليس شيء من الهواء مظلمًا ومحتجبًا عن الشمس إلا مخروط الظل الذي هو ظل الأرض فقط، إلا أن الضوء الذي يصدر عن الهواء المضيء يكون ضعيفًا، وكلما بعد في امتداده ازداد ضعفًا لأن ذلك هو خاصة الضوء، فالهواء المضيء بضوء الشمس يشرق منه أبدًا ضوء يمتد في جميع الجهات وينفذ في الهواء المستظل بظل الأرض، إلا أنه كلما بعد هذا الضوء عن الهواء المضيء بضوء الشمس الذي منه يمتد ضعف. وإذا كان ذلك كذلك فالجزء من ظل الأرض المماس للهواء المضيء والقريب من هذا المماس الذي هو حواشي الظل يكون الضوء الذي شرق عليه من الهواء المضيء المجاور له فيه بعض القوة، فإذا بعد هذا الضوء عن حواشي الظل وانتهى إلى وسط الظل وقريبًا من الوسط ضعف ضعفًا شديدًا.

والشمس في سائر الليل بعيدة عن محيط الأفق، والموضع الذي يجن عليه الليل من وجه الأرض هو في أكثر الليل في وسط ظل الأرض وقريب من الوسط، فإذا قربت الشمس من الأفق مال مخروط الظل وقرب محيط قاعدة الظل المحيطة بالأرض من الموضع الذي قربت الشمس من محيط أفقه، فيصير الموضع الذي قد قربت الشمس من محيط أفقه في محيط الظل وقريبًا من حاشية الظل، ويصير الضوء الخارج من الشمس الممتد في طول الظل المماس لطول الظل قريبًا من وجه الأرض، ويكون الضوء الذي يصل من هذا الهواء إلى وجه الأرض فيه بعض القوة، فلذلك يدرك البصر الضوء في الهواء عند قرب الصباح ويصل الضوء إلى إلى الأرض عند الصباح. ثم كلما قربت الشمس من الأفق قربت حاشية الظل من وجه الأرض وقرب الهواء المضيء من البصر وقوي الضوء الذي يصل إلى وجه الأرض. فلذلك كلما قربت الشمس من الأفق ازداد الضوء الذي يظهر على وجه الأرض قوة ووضوحًا إلى أن ينتهي محيط جرم الشمس إلى محيط الأفق، فيصير حاشية الظل ونهايته والهواء المضيء بضوء النهار في هذا الوقت مماسًا لوجه الأرض. والهواء المماس لوجه الأرض والقريب منه المضيء بضوء النهار قرب الشمس من الأفق وقبل طلوعها هو من جملة مخروط ظل الأرض، وإضاءته إنما هي لقرب هذا الهواء من الهواء المضيء المقابل للشمس لأن كل موضع تكون الشمس تحت أفقه وغير مقابلة له فهو في داخل مخروط الظل، إلا أن هذا الهواء المضيء هو حواشي الظل ومحيطه المجاور للهواء المضيء المقابل للشمس.

فالعلة التي من أجلها ليس يظهر الضوء في الهواء في سائر الليل هو بعد الهواء المضيء المقابل للشمس عن وجه الأرض وضعف الضوء الذي يصدر عن الضوء الذي في هذا الهواء المضيء وقصور قوته عن الوصول إلى وسط الأرض. والعلة التي من أجلها يظهر الضوء في الهواء عند الفجر وفي أول الليل ويشرق على وجه الأرض عند الصباح وعند العشاء هو قرب الهواء المضي المقابل للشمس من البصر وقرب حاشية الظل في هذه الأوقات من وجه الأرض. ولهذه العلة ، اعني القرب، صار أول ما يظهر من الفجر يظهر مستدقًا مستطيلًا، لأن أقرب حواشي الظل من البصر في هذا الوقت هو خط واحد مستقيم، وهو الخط المستقيم الممتد في سطح مخروط الظل الذي يمر بأقرب النقط من محيط قاعدة الظل إلى البصر في ذلك الوقت، إذ البصر في هذه الحال هو في وسط مخروط الظل التي تلي جهة الشمس، فالنقطة التي هي طرف قطر قاعدة الظل الذي يمر بموضع البصر في هذه الحال التي تلي جهة الشمس هي اقرب إلى البصر من جميع النقط التي على محيط قاعدة الظل. وأريد بقاعدة الظل ها هنا السطح الذي يمر بموضع البصر ويقطع مخروط الظل. والخط الذي يخرج من هذه النقطة ويمتد في سطح مخروط الظل هو أقرب الخطوط التي في سطح المخروط في هذه الحال من البصر. فقد تبينت العلة التي من اجلها يظهر الضوء في الجو وعلى وجه الأرض عند الصباح وعند العشاء ولا يظهر في سائر الليل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت