فإذا تعين هذان الموضعان من البيت تحرى المعتبر ليلة من الليالي السود وتكون مع ذلك مصحية. فإذا أظلم الليل دخل المعتبر إلى داخل البيت واغلق الباب ولم يترك في البيتين شيئًا من الضوء فإن الثقبين في هذه الحال يكونان مظلمين. ثم يدخل إلى البيت الغربي وينتظر من أحد الثقبين إلى أن يرى السماء من الثقب الأعلى، ويتحرى ألا يكون مقابلًا للثقب شيء من الكواكب الكبار توقف إلى أن يزول الكوكب عن مقابلة الثقب. وكذلك ينظر في الثقب الآخر إلى أن يرى السماء من الثقب الأعلى ولا يكون مقابلًا له من الآخر إلى أن يرى السماء من الثقب الأعلى ولا يكون مقابلًا له شيء من الكواكب الكبار: فإنه يرى الجو من الموضعين اللذين عينهما، فيجدهما مظلمين ليس فيهما ضوء ظاهر، ويجد جميع البيت مظلمًا ليس فيه شيء من الضوء إلا ما لا يعتد به من ضوء السماء الذي هو في غاية الضعف. ثم ينتظر الصباح فإذا انفجر الصبح ونظر من الثقبين المتقابلين إلى أن يرى الجو مضيئًا تحرك من الموضع الذي هو فيه حتى يزول عن مقابلة الثقب ونظر إلى كل واحد من الموضعين المقابلين للثقبين اللذين كان عينهما: فإنه يجدهما مضيئين بضوء يسير بحسب قوة الضوء الذي في الجو. فإن لم يظهر في البيت ضوء توقف يسيرًا من الزمان إلى أن يقوى ضوء الصباح، فإذا قوي ضوء الصباح تأمل الموضعين: فإنه يجدهما مضيئين، ويجد الضوء في كل واحد من الموضعين مستديرًا، ويجده أوسع من الثقب بحسب ما يقتضيه انخراط الضوء، ولا يجد في هذه الحال في بقية البيت شيئًا من الضوء، وإن وجد فيه ضوءًا فضعيف خفي بحسب ما يصح أن يصدر عن الضوء الذي يظهر في الموضعين المقابلين للثقبين. ثم إن ستر أحد الثقبين بطل الضوء من الموضع المقابل له وبقي الأخر، وإن رفع الساتر عاد الضوء إلى موضعه.
ثم يعتمد المعتبر المسافة المستقيمة التي بين أحد الثقبين وبين الموضع الذي يصير إليه الضوء من ذلك الثقب فيقطعها بجسم كثيف: فإنه يجد الضوء يظهر على الجسم الكثيف ويبطل من الموضع المقابل لذلك الثقب. ثم يحرك هذا الجسم على سمت المسافة المستقيمة: فإنه يجد الضوء أبدًا عليه. وقد يمكن أن تحد هذه المسافة بعود مستقيم ومسطرة طويلة وتلصق المسطرة بمحيط الثقب فتتحرر بها المسافة المستقيمة. ثم إذا رفع الجسم الكثيف الساتر عاد الضوء إلى الموضع الذي كان فيه، وكذلك إذا قطع المسافة المستقيمة التي بين الثقب الأول الأعلى وبين أحد الثقبين من البيت الأول فإنه يجد الضوء يظهر على الجسم الذي يقطع تلك المسافة ويبطل من البيت الثاني، وإذا رفع الساتر عاد الضوء إلى موضعه. وكذلك إذا اعتبر الضوء الذي في الثقب الآخر في البيتين جميعًا وجده على هذه الصفة. وإن ثقب في الحائط الثاني عدة ثقوب، وتحرى في كل واحد منها أن يكون مقابلًا للثقب الأول على استقامة وعلى مثل ما وصفناه في الثقبين المتقدمين، وجد في البيت الثاني أضواء متفرقة بعدد تلك الثقوب. ومقابلة لها كل واحد منها للثقب الأول الأعلى على استقامة.
فيتبين من هذا اعتبار بيانًا واضحًا بيانًا أن الهواء المضيء بضوء الصباح يخرج منه ضوء إلى المواضع المقابلة، وان خروجه على سموت مستقيمة، وأن ضوء النهار المشرق على الأرض قبل طلوع الشمس وبعد غروبها إنما هو ضوء يشرق عليها من الجو المضيء بضوء الشمس المقابل لوجه الأرض. وإن اعتبر المعتبر الجو المضيء في سائر النهار أيضًا بهذا الوجه من الاعتبار وجد الضوء يشرق منه على سموت مستقيمة.