91 -مِنْ لَوَازِمِ الْإِفْطَارِ فِي رَمَضَانَ: الْإِمْسَاكُ لِحُرْمَةِ الشَّهْرِ , قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ مِنْ خَوَاصِّ رَمَضَانَ , كَالْكَفَّارَةِ , فَلَا إمْسَاكَ عَلَى مُتَعَدٍّ بِالْفِطْرِ , وَفِي نَذْرٍ أَوْ قَضَاءٍ وَفِيهِ خِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ وَتَفْرِيعٌ فِي الْمَذَاهِبِ الْفِقْهِيَّةِ: فَالْحَنَفِيَّةُ وَضَعُوا أَصْلَيْنِ لِهَذَا الْإِمْسَاكِ: أَوَّلُهُمَا: أَنَّ كُلَّ مَنْ صَارَ فِي آخِرِ النَّهَارِ بِصِفَةٍ , لَوْ كَانَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ عَلَيْهَا لَلَزِمَهُ الصَّوْمُ , فَعَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ . ثَانِيهِمَا: كُلُّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ , لِوُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ وَالْأَهْلِيَّةِ , ثُمَّ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْمُضِيُّ , بِأَنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا , أَوْ أَصْبَحَ يَوْمَ الشَّكِّ مُفْطِرًا , ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ , أَوْ تَسَحَّرَ عَلَى ظَنِّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ , ثُمَّ تَبَيَّنَ طُلُوعُهُ , فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ تَشَبُّهًا عَلَى الْأَصَحِّ ; لِأَنَّ الْفِطْرَ قَبِيحٌ , وَتَرْكُ الْقَبِيحِ وَاجِبٌ شَرْعًا , وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ . وَأَجْمَعَ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ هَذَا الْإِمْسَاكُ . وَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِهِ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ عَمْدًا , أَوْ خَطَأً , أَوْ أَفْطَرَ يَوْمَ الشَّكِّ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ , وَكَذَا عَلَى مُسَافِرٍ أَقَامَ , وَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ طَهُرَتَا , وَمَجْنُونٍ أَفَاقَ , وَمَرِيضٍ صَحَّ , وَمُفْطِرٍ وَلَوْ مُكْرَهًا أَوْ خَطَأً , وَصَبِيٍّ بَلَغَ , وَكَافِرٍ أَسْلَمَ . وَقَالَ ابْنُ جُزَيٍّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ: وَأَمَّا إمْسَاكُ بَقِيَّةِ الْيَوْمِ , فَيُؤْمَرُ بِهِ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ خَاصَّةً , عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا , لَا مَنْ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ مُبِيحٍ ثُمَّ زَالَ الْعُذْرُ مَعَ الْعِلْمِ بِرَمَضَانَ , فَإِنَّهُ لَا يُنْدَبُ لَهُ الْإِمْسَاكُ , كَمَنْ اُضْطُرَّ لِلْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ , مِنْ شِدَّةِ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ فَأَفْطَرَ , وَكَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ طَهُرَتَا نَهَارًا , وَمَرِيضٍ صَحَّ نَهَارًا , وَمُرْضِعٍ مَاتَ وَلَدُهَا , وَمُسَافِرٍ قَدِمَ , وَمَجْنُونٍ أَفَاقَ , وَصَبِيٍّ بَلَغَ نَهَارًا , فَلَا يُنْدَبُ الْإِمْسَاكُ مِنْهُمْ . وَقُيِّدَ الْعِلْمُ بِرَمَضَانَ , احْتِرَازٌ عَمَّنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا , وَعَمَّنْ أَفْطَرَ يَوْمَ الشَّكِّ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ , فَإِنَّهُ يَجِبُ الْإِمْسَاكُ , كَصَبِيٍّ بَيَّتَ الصَّوْمَ , وَاسْتَمَرَّ صَائِمًا حَتَّى بَلَغَ , فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ , لِانْعِقَادِ صَوْمِهِ لَهُ نَافِلَةً , أَوْ أَفْطَرَ نَاسِيًا قَبْلَ بُلُوغِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِمْسَاكِ , وَإِنْ لَمْ يَجِبْ الْقَضَاءُ عَلَى الصَّبِيِّ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ . وَنَصُّوا كَذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْفِطْرِ , فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ , بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ قَالُوا: لِأَنَّ فِعْلَهُ قَبْلَ زَوَالِ الْعُذْرِ , لَا يَتَّصِفُ بِإِبَاحَةٍ وَلَا غَيْرِهَا . وَنَصُّوا عَلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ إمْسَاكُ بَقِيَّةِ الْيَوْمِ لِمَنْ أَسْلَمَ , لِتَظْهَرَ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ بِسُرْعَةٍ , وَلَمْ يَجِبْ , تَأْلِيفًا لَهُ لِلْإِسْلَامِ , كَمَا نُدِبَ قَضَاؤُهُ , وَلَمْ يَجِبْ لِذَلِكَ . وَالشَّافِعِيَّةُ بَعْدَ أَنْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الْإِمْسَاكَ تَشَبُّهًا مِنْ خَوَاصِّ رَمَضَانَ , كَالْكَفَّارَةِ , وَأَنَّ مَنْ أَمْسَكَ تَشَبُّهًا لَيْسَ فِي صَوْمٍ وَضَعُوا هَذِهِ الْقَاعِدَةَ , وَهِيَ: أَنَّ الْإِمْسَاكَ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُتَعَدٍّ بِالْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ , سَوَاءٌ أَكَلَ أَوْ ارْتَدَّ أَوْ نَوَى الْخُرُوجَ مِنْ الصَّوْمِ - وَقُلْنَا إنَّهُ يَخْرُجُ بِذَلِكَ - كَمَا يَجِبُ عَلَى مَنْ نَسِيَ النِّيَّةَ مِنْ اللَّيْلِ , وَهُوَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى مَنْ أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ إبَاحَةً حَقِيقِيَّةً , كَالْمُسَافِرِ إذَا قَدِمَ , وَالْمَرِيضِ إذَا بَرِئَ بَقِيَّةَ النَّهَارِ . وَنَظَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ: الْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ , اللَّذَانِ يُبَاحُ لَهُمَا الْفِطْرُ , لَهُمَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: الْأُولَى: أَنْ يُصْبِحَا صَائِمَيْنِ , وَيَدُومَا كَذَلِكَ إلَى زَوَالِ الْعُذْرِ , فَالْمَذْهَبُ لُزُومُ إتْمَامِ الصَّوْمِ . الثَّانِيَةُ: أَنْ يَزُولَ الْعُذْرُ بَعْدَ مَا أَفْطَرَ , فَلَا يَجِبُ الْإِمْسَاكُ , لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ - كَمَا يَقُولُ الْمَحَلِّيُّ - فَإِنْ أَكَلَا أَخْفَيَاهُ , لِئَلَّا يَتَعَرَّضَا لِلتُّهْمَةِ وَعُقُوبَةِ السُّلْطَانِ , وَلَهُمَا الْجِمَاعُ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ , إذَا لَمْ تَكُنْ الْمَرْأَةُ صَائِمَةً , بِأَنْ كَانَتْ صَغِيرَةً , أَوْ طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ ذَلِكَ الْيَوْمِ . الثَّالِثَةُ: أَنْ يُصْبِحَا غَيْرَ نَاوِيَيْنِ , وَيَزُولَ الْعُذْرُ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَا , فَفِي الْمَذْهَبِ قَوْلَانِ: لَا يَلْزَمُهُمَا الْإِمْسَاكُ فِي الْمَذْهَبِ , لِأَنَّ مَنْ أَصْبَحَ تَارِكًا لِلنِّيَّةِ فَقَدْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا , فَكَانَ كَمَا لَوْ أَكَلَ وَقِيلَ: يَلْزَمُهُمَا