فهرس الكتاب

الصفحة 310 من 366

ثُمَّ اعْلَمُوا ـ رَحِمَكُمُ اللهُ ـ أَنَّ الاسْتِقَامَةَ مَنْزِلَةٌ شَاقَّةٌ تَحْتَاجُ النَّفْسُ مَعَهَا إِلَى المُرَاقَبَةِ والمُلاَحَظَةِ وَالأَطْرِ عَلَى الحَقِّ والعَدْلِ والبُعْدِ عَنِ الهَوَى والمُجَاوَزَةِ والطُّغْيَانِ، فَالكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوتِ، وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَّنَى عَلَى اللهِ الأَمَانِيَّ.

وَمَدَارُ الاسْتِقَامَةِ في الدِّينِ ـ عباد الله ـ عَلَى أَمْرَينِ عَظِيمَينِ هُمَا: حِفْظُ القَلْبِ وَاللِّسَانِ، فَمَتَى اسْتَقَامَا اسْتَقَامَتْ سَائِرُ الأَعْضَاءِ، وصَلَحَ الإِنْسَانُ في سُلُوكِهِ وحَرَكَاتِهِ وسَكَنَاتِهِ، ومَتَى اعْوَجَّا وَفَسَدَا فَسَدَ الإِنْسَانُ وضَلَّتْ أَعْضَاؤُهُ جَمِيعًا، وَفِي الصَّحِيحَينِ أَنَّهُ قَالَ: (( أَلاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ؛ أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ ) )، وَعِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ أَنَّ النبيَّ قَالَ: (( لاَ يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلاَ يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ، وَلاَ يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ ) ).

إِنَّ الاسْتِقَامَةَ عَلَى مَنْهَجِ اللهِ لَيسَتْ أَمْرًا مُحَالًا وَلاَ أُمْنِيَةً وَادِّعَاءً وَلاَ رَهْبَانِيَّةً مُبْتَدَعَةً كَمَا يَتَوَهَّمُهُ بَعْضُ النَّاسِ، ولَكِنَّهَا اسْتِقَامَةٌ عَلَى الأَمْرِ بالامْتِثَالِ وَعَلَى النَّهْي بالاجْتِنَابِ، فَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، قَالَ: (( تَعْبُدُ اللهَ لاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ ) )، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ: (( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا ) ).

إِنَّ الاسْتِقَامَةَ الحَقَّةَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ هِي سُلُوكُ طَرِيقِ أَهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ، طَرِيقِ الطَّائِفَةِ المَنْصُورَةِ والفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ، أَهْلِ العَقِيدَةِ الصَّافِيَةِ والمَنْهَجِ السَّلِيمِ، أَتْبَاعِ السُّنَّةِ والدَّلِيلِ، والتَّمَيُّزُ عَنْ أَعْدَاءِ اللهِ، ومُفَارَقَةُ أَهْلِ البَاطِلِ، ومُجَانَبَةُ أَهْلِ الأَهْوَاءِ والبِدَعِ والشَّهَوَاتِ. رَوَى التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: (( إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَينِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلاَّ مِلَّةً وَاحِدَةً ) )، قَالُوا: وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (( مَا أَنَا عَلَيهِ وَأَصْحَابِي ) ). [1]

(1) - موسوعة خطب المنبر - الإصدار الثاني - (1 / 4861) -الاستقامة على الطاعة -ناصر بن محمد الغامدي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت