نص الحديث (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها أمر دينها) والحديث صحيح، حيث صححه جمع من أهل العلم قديمًا وحديثًا (5) ،بل نقل السيوطي في رسالته (التنبيه فيمن يبعثه الله على رأس المئة) إجماع العلماء على تصحيحه (6) .
وفي الحديث بشارة وعد بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - الأمة أنها لا تخلو من المجددين، فهو وعد إلهي لا يتخلف.
ويتضمن الحديث كذلك جانبًا شرعيًا مهمًا وهو الطلب من الأمة، وخاصة القادرين من أهل العلم والإيمان أن يؤدوا الدور المنوط بهم، فيكون التجديد على أيديهم، فالمجدد لا يهبط من السماء.
المطلب الثالث: خصائص الشريعة:
للفقه الإسلامي - وإن شئت قلت للشريعة - خصائص، نكتفي بذكر ما يقتضيه المقام:
(1) الربانية: فهي:
أ. ربانية المصدر فمصدرها إلهي.
ب. وربانية الوجهة. وهذه الخصيصة تدل على خصائص أخرى منها: الكمال والعدل المطلق (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كبيرًا) .
كما أنها تحظى بالقبول والاحترام من قبل المؤمنين بها بما لا يحظى قانون أو نظام، وإن كانت المقارنة هنا غير واردة:
ألم تر أن السيف ينقص قدره … …
إذا قيل إن السيف أمضى من العصا
كما أن الإنسان المعتنق لهذه الشريعة يراقب ربه في كل صغيرة وكبيرة، بل لابد أن تقابل أحكامها بالرضا والتسليم (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا) [النساء: 65] .
(2) الوسطية والاعتدال والموازنة: ففيها توازن بين الروح والجسد، وموازنة بين مصلحة الفرد والجماعة، وموازنة واعتدال في النظر إلى حقوق الرجل والمرأة بين النظرة الجاهلية في احتقار المرأة وظلمها وبين الجاهلية المعاصرة في إخراجها عن حدود ما خلق الله لها، وهذا التوازن لا يلغي ترتيب الأولويات فهناك الواجب والأوجب وهناك المهم والأهم.
(3) الشمول:
أ. لمصالح الدنيا والآخرة.
ب. لجوانب الحياة المختلفة (من آداب الأكل والشرب إلى بناء الدولة) .
ج. لمراحل حياة الإنسان كلها (طفلًا وكهلًا) .
د. شمولها لكل البشر - النزعة العالمية - (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) .
هـ. شمولها لكل زمان ومكان.
(4) الثبات والمرونة: الثبات في الأصول والأهداف والقطعيات، والمرونة في الفروع والوسائل والظنيات، ومساحة المرونة مساحة واسعة وهي منطقة مفتوحة للاجتهاد البشري في مجال التشريع الإسلامي (7) .
ولقد كان هذا الفقه أساس التشريع والقضاء والفتوى في العالم الإسلامي كله طيلة ثلاثة عشر قرنًا، تبدَّلت فيها النظم وتغيّرت الأوضاع والأحوال، فلم يضق صدره بمشكلة ولم يقف عند نازلة، بل كان لديه لكل حادثة حديث، ولكل واقعة حكم، ولكل مشكلة علاج فالفقه الإسلامي يمتاز بقواعده الدقيقة وأصوله المقننة المتقنة التي تضبط طرائق الاستنباط، وهو ما يعرف بعلم (أصول الفقه) الذي عرف لدى علماء المسلمين في فترة مبكرة على يد الإمام الشافعي، ويمتاز الفقه كذلك بقدرته على التجديد والنماء، فهو علم خصب، مرن، استوعب شتى البيئات والأوطان - رغم تباينها - ومن البدو إلى الحضر، فلم يضق بها ذرعًا، بل سبكها ضمن منظمته، وقضى بالعدل، وقال كلمة الفصل.
كثرة الأقوال والاختلافات ثروة فقهية:
وهي نعمة لا نقمة وهي دليل على مرونة الشريعة، وتسامح الأئمة وقد نقل عنهم في هذا الباب كلامًا عظيمًا ولم يكونوا - رحمهم الله -يرون بذلك بأسًا وكثيرًا ما يكون الاختلاف داخل المذهب نفسه كما سجله المرداوي في كتابه (الإنصاف) والنووي في (روضة الطالبين) وربما كان اختلافهم لا بسبب الحجة والبرهان بل بسبب العصر والزمان، كما قيل عن خلاف أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني لأبي حنيفة.
وفقه مذهب واحد يضيق عن الوفاء بحاجات الناس فتجد في بعض المذاهب من السعة واليسر وسداد الرأي ما لا يوجد في بقية المذاهب، ومن الأمثلة على هذا: المذهب الحنبلي في العقود فهو من أيسر المذاهب في ذلك.
المطلب الرابع: عدم منافاة التجديد للأصالة.
التجديد في الفقه لا ينافي الأصالة، كلا، بل يتناغم معها، إذا حدد المفهوم الصحيح للأصالة، فليست الأصالة هي الانكفاء على كل قديم ورفض كل جديد، فذلك قتل للإبداع وإغلاق لباب الاجتهاد، بل الأصالة هي تلك الممارسة الواعية التي تعني الاستمساك بالثوابت وتعنى بالتجديد في المتغيرات بحسب الحاجة، على أن يكون ذلك ضمن المفاهيم والمضامين الشرعية، وأن يكون دافع التجديد هو الرغبة في التحسين لا مجرد التقليد
كما أن التجديد ليس هو السخرية بكل قديم وفتح الأبواب أمام كل جديد، بزعم أن الجديد لا يمثل إلا التطور والرقي والقديم لا يمثل إلا التخلف والجمود، يقول شكيب أرسلان في الرد على دعاة نسف التراث:
كم من قديم لا يزال رواؤه … …
متألقًا يحكي الصباح المسفرا
مهما تقادم جوهر في عنقه … …
فهو الثمين وليس يبرح جوهرا (8)
المبحث الأول: مجالات التجديد ويشتمل على ما يلي:
1-تنزيل الحكم الشرعي الصحيح على الواقع المعاش.
2-مراجعة التراث الفقهي مراجعة استفادة فهو ثروة فقهية عظيمة لا يمكن الاستغناء عنها، وفيها من السعة والدقة ما لا يخفى، وربما احتاج هذا بعض هذا التراث إلى مراجعة تمحيص لما يحتاج إلى تمحيص ومراجعة ومن الأمثلة على ذلك.
(أ) مراجعة الأحاديث التي استدل بها الفقهاء وبنوا عليها كثيرًا من أحكامهم، وهي أحاديث غير صحيحة كحديث (حق الجار أربعون دارًا هكذا وهكذا وهكذا...) (9) .
(ب) التثبت من مسائل الإجماع التي حكاها بعض الفقهاء، فلو صح الإجماع لما جازت مخالفته ولكن يتسامح بعض الفقهاء في نقله، وهو غير صحيح، وبالتالي فلا يترتب عليه المنع من الاجتهاد في المسألة التي لم يثبت فيها الإجماع.
(ج) المعلومات المتوافرة في هذا العصر والتي لها دور في تمحيص كلام الفقهاء، إذا كانت هذه المعلومات قد وصلت إلى درجة الحقائق لا النظريات، مثال ذلك: أقصى مدة الحمل. فقد ذكر بعض الفقهاء أن أقصى مدة الحمل: سنتان، وقال بعضهم: أربع، وقال البعض، خمس، وسبع. ومن المعلوم الآن طبيًا أن الحمل لا يكون أكثر من سنة، وما ذكر من المدة الطويلة (سنتان، أربع، خمس ...) فهو حالة معروفة طبيًا بالحمل الكاذب. وتظهر فيه كل أعراض الحمل من انتفاخ البطن، والشعور بالغثيان والقيء وتقلص عضلات البطن ونحوها بما يشبه حركة الجنين في البطن، وتظهر هذه الحالات كثيرًا عند الرغبة العارمة للحمل، وحين يكشف عليها الطبيب بالوسائل الحديثة من التحليل والأشعة يجزم الطبيب بأنها غير حامل. ومن الطريف أن هذا المرأة قد تستمر معها هذه الحالة ثم يشاء المولى -جل وعلا- أن تحمل حملًا صادقًا في نهاية المدة فتظنه امتدادًا للحمل الكاذب وتحسب المدة كلها على هذا الحمل، وتلد بعد سنتين أو ثلاث، فيصدق الناس هذه الدعوى (10) .
3-إيجاد الحلول (الأحكام) الشرعية المناسبة للمستجدات والنوازل، ومن أبرز المجالات التي تبرز فيها النوازل مجال المعاملات والاقتصاد كقضايا الشركات والأسهم والتأمين والبنوك وبعضها شبيه بالقديم أو قريب منه وبعضها جديد تمامًا ولا نظير له، فهل الحل هو في (أ) الجمود (ب) أو القبول بكل ما استجدّ.