فأحسن المخارج ما خلّص من المآثم وأقبح الحيل ما أوقع في المحارم أو أسقط ما أوجبه الله ورسوله من الحق اللازم والله الموفق للصواب )) (61) .
وقد وقع كثير من الفقهاء المعاصرين في الإفتاء بجواز كثير من المعاملات المحرمة تحايلًا على أوامر الشرع ؛ كصور بيع العينة المعاصرة ومعاملات الربا المصرفية ، أو التحايل على إسقاط الزكاة أو الإبراء من الديون الواجبة ، أو ما يحصل في بعض البلدان من تجويز الأنكحة العرفية تحايلًا على الزنا ، أو تحليل المرأة لزوجها بعد مباينته لها بالطلاق ،وكل ذلك وغيره من التحايل المذموم في الشرع (62) .
ثالثًا: المنهج الوسطي المعتدل في النظر والإفتاء
الشريعة الإسلامية شريعة تتميز بالوسطية واليسر ولذا ينبغي للناظر في أحكام النوازل من أهل الفتيا والاجتهاد أن يكونوا على الوسط المعتدل بين طرف التشدد والانحلال كما قال الإمام الشاطبي ـ رحمه الله ـ: (( المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور فلا يذهب بهم مذهب الشدة ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال .
والدليل على صحة هذا أن الصراط المستقيم الذي جاءت به الشريعة ؛فإنه قد مرّ أن مقصد الشارع من المكلف الحمل على التوسط من غير إفراط ولا تفريط ، فإذا خرج عن ذلك في المستفتين ؛ خرج عن قصد الشارع ولذلك كان مَنْ خرج عن المذهب الوسط مذمومًا عند العلماء الراسخين …فإن الخروج إلى الأطراف خارج عن العدل ، ولا تقوم به مصلحة الخلق ، أما طرف التشديد فإنه مهلكة وأما طرف الانحلال فكذلك أيضًا ؛ لأن المستفتي إذا ذُهِبَ به مذهب العنت والحرج بُغِّض إليه الدين وأدى إلى الانقطاع عن سلوك طريق الآخرة ، وهو مشاهد ، وأما إذا ذُهِبَ به مذهب الانحلال كان مظنة للمشي على الهوى والشهوة ، والشرع إنما جاء بالنهي عن الهوى واتباع الهوى مهلك ، والأدلة كثيرة )) (63) .
ولعل ما ذكرناه من ملامح للمناهج الأخرى المتشددة والمتساهلة كان من أجل أن يتبين لنا من خلالها المنهج المعتدل ؛ وذلك أن الأشياء قد تعرف بضدها وتتمايز بنقائضها.
وقد أجاز بعض العلماء للمفتي أن يتشدد في الفتوى على سبيل السياسة لمن هو مقدم على المعاصي متساهل فيها ، وأن يبحث عن التيسير والتسهيل على ما تقتضيه الأدلة لمن هو مشدد على نفسه أو غيره ، ليكون مآل الفتوى: أن يعود المستفتي إلى الطريق الوسط (64) .
ولذلك ينبغي للمفتي أن يراعي حالة المستفتي أو واقع النازلة فيسير في نظره نحو الوسط المطلوب باعتدال لا إفراط فيه نحو التشدد ولا تفريط فيه نحو التساهل وفق مقتضى الأدلة الشرعية وأصول الفتيا ، وما أحسن ما قاله الإمام سفيان الثوري ـ رحمه الله ـ: (( إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة فأما التشدد فيحسنه كل أحد ) ) (65) . والظاهر أنه يعني تتبع مقصد الشارع بالأصل
الميسور المستند إلى الدليل الشرعي.
ولاشك أن هذا الاتجاه هو اتجاه أهل العلم والورع والاعتدال ، وهي الصفات اللازمة لمن يتعرض للفتوى والتحدث باسم الشرع ، وخصوصًا في هذا العصر .
فالعلم هو العاصم من الحكم بالجهل ، والورع هو العاصم من الحكم بالهوى ، والاعتدال هو العاصم من الغلو والتفريط ، وهذا الاتجاه هو الذي يجب أن يسود ، وهو الاجتهاد الشرعي الصحيح وهو الذي يدعو إليه أئمة العلم المصلحون (66) .
وسيأتي مزيد بيان لبعض الآداب والضوابط المكملة لأصحاب هذا الاتجاه المعتدل من أجل الوصول إلى أدق النتائج وتحقيق الصواب والتوفيق من الله عز وجل ؛ وهو موضوع المطلبين القادمين - بإذن الله ـ .
المطلب الثاني: الضوابط التي ينبغي أن يراعيها المجتهد قبل الحكم في النازلة. (1) سورة التوبة ، آية: 128 . (2) سورة الأنبياء ، آية: 107 .
(3) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الطلاق،باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقًا إلا بنية ، رقمه ( 1478 ) 2/ 1104. (4) سورة الأعراف ، آية: 157 . (5) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجمعة ، باب السواك يوم الجمعة 2 / 5 . وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الطهارة ، باب السواك ، 1 / 220 ، رقمه ( 1732 ) . (6) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد باب وما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب وعقوبة من عصى إمامه 4 / 79 . وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجهاد ، باب الأمر بالتيسير وترك التنفير 3 / 1358 رقمه (1732 ) . (7) الآداب الشرعية لابن مفلح 2 / 45 . (8) انظر: تحرير النزاع في المسألة: المجموع 1 / 90 , 91 ؛ شرح المحلى على جمع الجوامع 2 / 393 ؛ شرح تنقيح الفصول ص 432 ؛ المسودة ص 465 ؛ شرح الكوكب المنير 4 / 574 ؛ الوصول إلى علم ألأصول لابن برهان 2 / 369 .
(9) مجموع الفتاوى 20 / 208 , 209 ، (10) انظر: تهذيب الفروق 4 / 120 ؛ الفتاوى الكبرى لابن تيمية 4 / 581 .
(11) انظر: البحر المحيط 1 / 215 ؛ القواعد للحصني 1 / 478 ؛ الإبهاج 3 / 177 ؛ نهاية السول 4 / 352 ؛ الأشباه والنظائر للسيوطي ص 133 ، ويدل على هذه القاعدة ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( الحلال ما أحا الله في كتابه ، والحرام ما حرم الله في كتابه ، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه ) )رواه الترمذي في كتاب اللباس ، باب ما جاء في لبس الفراء 4 / 220 . ورواه ابن ماجه في كتاب الأطعمة ، باب أكل الجبن والسمن ، 2 / 1117 . (12) انظر: الفكر السامي 1 / 215 .
(13) انظر: الكافي لابن عبد البر 1 / 355 تحقيق د . محمد بن محمد ولد مايك ، الناشر المحقق 1399 هـ ؛ مغني المحتاج للشربيني 2 / 377 ، دار الكتب العلمية ، الطبعة الأولى 1415 هـ ؛ المبدع لابن مفلح 3 / 250 طبعة المكتب الإسلامي 1400هـ ؛ الإقناع للحجاوي 1 / 390 طبعة دار المعرفة
(14) انظر: بدائع الصنائع 2 / 137 ، المكتبة العالمية ببيروت ؛ الشرح الممتع على زاد المستنقع لابن عثيمين 7 / 385 مؤسسة إمام للنشر الطبعة الأولى 1416هـ ؛ فتاوى الحج والعمرة والزيارة ؛ جمع محمد المسند ص 110 ، دار الوطن الطبعة الأولى . (15) انظر: بدائع الصنائع 2 / 138 ؛ المبسوط للسرخسي 4 / 68 دار الكتب العلمية ، الطبعة الأولى 1414هـ ؛ المغني 3 / 328؛ رسالة في فقه الحج والعمرة د . عبد الرحمن النفيسة ص 22-25 ضمن العدد (33) من مجلة البحوث الفقهية المعاصرة . (16) فقه الأئمة الأربعة بين الزاهدين فيه والمتعصبين له ص 66 . (17) الاجتهاد المعاصر ص 88 . (18) سورة النحل ، آية: 116 . (19) إعلام الموقعين 4 / 134 . (20) نقلًا من كتاب الغلو في الدين د . عبد الرحمن اللويحق ص 273 ، مؤسسة الرسالة الطبعة الثانية 1413هـ .
(21) إعلام الموقعين 3 / 109 . (22) انظر: شرح تنقيح الفصول للقرافي ص 448-449 ؛ الفروق للقرافي 2 / 33 ؛ مقاصد الشريعة الإسلامية د . اليوبي ص574-584
(23) انظر: السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها د . القرضاوي ص 231 ، مكتبة وهبة بمصر ، الطبعة الأولى 1419هـ . (24) انظر: شرح تنقيح الفصول ص 449 ، إعلام الموقعين 3 / 109 .
(25) انظر: مركز المرأة في الحياة الإسلامية د .القرضاوي ص 130 - 150 ، المكتب الإسلامي ، الطبعة الثالثة 1418هـ ؛ المرأة ماذا بعد السقوط ، تأليف: بدرية العزاز ص 199- 216 ، مكتبة المنار الإسلامية بالكويت . (26) انظر: الاجتهاد المعاصر للقرضاوي ص 88 .
(27) انظر: الموافقات 1 / 184- 194 ؛ العمل بالاحتياط في الفقه الإسلامي تأليف: منيب محمود شاكر ص 118 ، دار النفائس بالرياض ، الطبعة الأولى 1418هـ .