فهرس الكتاب

الصفحة 923 من 1226

وظهر في الآونة الأخيرة بعض الفتاوى التي أباحت بيع الخمر من أجل مصلحة

البلاد في استقطاب السياحة ، وإباحة الإفطار في رمضان من أجل ألا تتعطل مصلحة الأعمال في البلاد ، وإباحة التعامل بالربا من أجل تنشيط الحركة التجارية والنهوض بها ، والجمع بين الجنسين في مرافق المجتمع لما في ذلك من تهذيبٍ للأخلاق وتخفيفٍ للميل الجنسي بينهما !! ؟ (39) .

وبعضها جوزت التسوية بين الأبناء والبنات في الميراث (40) ، بل وبعضها جوزت أن تمثل المرأة وتظهر في الإعلام بحجة التكييف مع تطورات العصر بفقه جديد وفهم جديد (41) .

وكل هذه وغيرها خرجت بدعوى العمل بالمصلحة ومواكب الشريعة لمستجدات الحياة .

ب - تتبع الرخص والتلفيق بين المذاهب:

الرخص الشرعية الثابتة بالقرآن والسنة لا بأس في العمل بها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه ) ) (42) .

أما تتبع رخص المذاهب الاجتهادية والجري وراءها دون حاجةٍ يضطر إليها المفتي ، والتنقل من مذهب إلى آخر والأخذ بأقوال عددٍ من الأئمة في مسألة واحدة بغية الترخص ، فهذا المنهج قد كرهه العلماء وحذَّروا منه ، وإمامهم في ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: (( إني أخاف عليكم ثلاثًا وهي كائنات: زلة عالم ، وجدال منافق بالقرآن ، ودنيا تفتح عليكم ) ) (43) .

فزلة العالِم مخوفة بالخطر لترتب زلل العالَم عليها فمن تتبع زلل العلماء اجتمع فيه الشر كله .

وقد حكى بعض المعاصرين خلافًا بين العلماء في تجويز الأخذ برخص العلماء لمن كان مفتيًا أو ناظرًا في النوازل (44) .

ولعل حكاية الخلاف ليست صحيحة على إطلاقها وذلك للأسباب التالية:-

1-أن الخلاف الذي ذكروه في جواز تتبع الرخص أخذوه بناءً على الخلاف في مسألة الجواز للعامي أن يتخير في تقليده من شاء ممن بلغ درجة الاجتهاد ، وأنه لا فرق بين مفضول وأفضل ، ومع ذلك فإنهم وإن اختلفوا في هذه المسألة إلا أنهم اتفقوا على أنه إن بان لهم الأرجح من المجتهدين فيلزمهم تقليده ولا يجوز لهم أن يتتبعوا في ذلك رخص العلماء وزللهم والعمل بها دون حاجه أو ضابط (45) .

فلا يصح أن يُحكى خلافٌ للعلماء في مسألة تخريجًا على مسألة أخرى تخالفها في المعنى والمضمون ، ولا تلازم بينها وذلك أن الخلاف في حق العامي ، أما المجتهد المفتي فلا يجوز له أن يفتي إلا بما توصل إليه اجتهاده ونظره (46) .

2-أن بعض العلماء جوّز الترخص في الأخذ بأقوال أي العلماء شاء وهذا إنما هو في حق العوام ـ كما ذكرنا ـ كذلك أن يكون في حالات الاضطرار وأن لا يكون غرضه الهوى والشهوة ، يقول الإمام الزركشي ـ رحمه الله ـ في ذلك: (( وفي فتاوى النووي الجزم بأنه لا يجوز تتبع الرخص ، وقال في فتاوٍله أخرى ؛ وقد سئل عن مقلد مذهب: هل يجوز له أن يقلد غير مذهبه في رخصة لضرورة ونحوها ؟ ، أجاب: يجوز له أن يعمل بفتوى من يصلح للإفتاء إذا سأله اتفاقًا من غير تلقّط الرخص ولا تعمد سؤال من يعلم أن مذهبه الترخيص في ذلك ) ) (47) .

فالعلماء لا يجوزون تتبع الرخص إلا في حالات خاصة يبرّرها حاجة وحال السائل لذلك لا أن يكون منهجًا للإفتاء يتبعه المفتي مع كل سائل أوفي كل نازلة بالهوى والتشهي (48) .

3 -أن هناك من العلماء من حكى الإجماع على حرمة تتبع الرخص حتى لو كان عاميًا ومن أولئك الإمام ابن حزم ـ رحمه الله ـ (49) وابن الصلاح ـ رحمه الله ـ (50) وكذلك ابن عبد البر حيث قال رحمه الله: (( لا يجوز للعامي تتبع الرخص إجماعًا ) ) (51) .

وقد أفاض الإمام الشاطبي ـ رحمه الله ـ في الآثار السيئة التي تنجم عن العمل بتلقّط الرخص وتتبعها من المذاهب وخطر هذا المنهج في الفتيا (52) .

والتساهل المفرط ليس من سيما العلماء الأخيار وقد جعل ابن السمعاني ـ رحمه الله ـ من شروط العلماء أهل الاجتهاد: الكف عن الترخيص والتساهل ، ثم صنف ـ رحمه الله ـ المتساهلين نوعين:

1-أن يتساهل في طلب الأدلة وطرق الأحكام ويأخذ ببادئ النظر وأوائل الفكر فهذا مقصر في حق الاجتهاد ولا يحل له أن يفتي ولا يجوز .

2 -أن يتساهل في طلب الرخص وتأول السنة فهذا متجوز في دينه وهو آثم من الأول (53) .

والملاحظ أن منهج التساهل القائم على تتبع الرخص يفضي إلى اتباع الهوى وانخرام نظام الشريعة (( فإذا عرض العامي نازلته على المفتي ، فهو قائل له: أخرجني عن هواي ودلني على اتباع الحق ، فلا يمكن والحال هذه أن يقول له: في مسألتك قولان فاختر لشهوتك أيهما شئت ) (54) أو سأبحث لك عن قولٍ لأهل العلم يصلح لك ، وقد قال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ: (( لو أن رجلًا عمل بكل رخصه ؛ بقول أهل الكوفة في النبيذ ، وأهل المدينة في السماع ، وأهل مكة في المتعة كان فاسقًا ) ) (55) .

ويروى عن إسماعيل القاضي ـ رحمه الله ـ أنه قال: (( دخلت على المعتضد فدفع إلي كتابًا فنظرت فيه وقد جمع فيه الرخص من زلل العلماء وما احتج به كل منهم، فقلت: مصنف هذا زنديق ،فقال: لم تصح هذه الأحاديث ؟ قلت: الأحاديث على ما رويت ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة ، ومن أباح المتعة لم يبح المسكر ، وما من عالم إلا وله زلة ، ومن جمع زلل العلماء ، ثم أخذ بها ذهب دينه ، فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب ) ) (56) .

ولعل واقعنا المعاصر يشهد جوانب من تساهل بعض الفقهاء في التلفيق بين المذاهب وتتبع الرخص كما هو حاصل عند من يضع القوانين والأنظمة أو يحتج بأسلمة القانون بناءً على هذا النوع من التلفيق ، أما حالات الضرورة في الأخذ بهذا المنهج فإنها تقدر بقدرها .

ج - التحايل الفقهي على أوامر الشرع .

وهو من ملامح مدرسة التساهل والغلو في التيسير ؛ وقد جاء النهي في السنة عن هذا الفعل حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل ) ) (57) . وعلى ذلك اتفق أكثر أهل العلم على عدم تجويزه (58) وفي ذلك يقول الإمام القرافي ـ رحمه الله ـ: (( لا ينبغي للمفتي: إذا كان في المسألة قولان: أحدهما فيه تشديد والآخر فيه تخفيف ؛ أن يفتي العامة بالتشديد والخواص من ولاة الأمور بالتخفيف وذلك قريب من الفسوق والخيانة في الدين والتلاعب بالمسلمين ، ودليل على فراغ القلب من تعظيم الله تعالى و إجلاله وتقواه ، وعمارته باللعب وحب الرياسة والتقرب إلى الخلق دون الخالق نعوذ بالله من صفات الغافلين ) ) (59) .

وقد حكى أبو الوليد الباجي ـ رحمه الله ـ عن أحد أهل زمانه أخبره أنه وقعت له واقعة ، فأفتاه جماعة من المفتين بما يضره وكان غائبًا ، فلما حضروا قالوا: لم نعلم أنها لك ، وأفتوه بالرواية الأخرى ، قال: وهذا مما لا خلاف بين المسلمين المعتد بهم في الإجماع أنه لا يجوز (60) .

وقد فصَّل الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ القول في الحيل الممنوعة على المفتي وما هو مشروع له حيث قال:

(( لا يجوز للمفتي تتبع الحيل المحرمة والمكروهة ، ولا تتبع الرخص لمن أراد نفعه ، فإن تتبع ذلك فسق وحُرِمَ استفتاؤه ، فإن حَسُن قصده في حيلةٍ جائزة لا شبهة فيها ولا مفسدة ، لتخليص المستفتي بها من حرج جاز ذلك ، بل استحب ، وقد أرشد الله نبيه أيوب عليه السلام إلى التخلص من الحنث بأن يأخذ بيده ضغثًا فيضرب به المرأة ضربةً واحدة . وأرشد النبي صلى الله عليه وسلم بلالًا إلى بيع التمر بدراهم ، ثم يشتري بالدراهم تمرًا آخر ، فيخلص من الربا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت