فهرس الكتاب

الصفحة 900 من 1226

يوضحه إن الالتزام بالشروط ، كالالتزام بالنذر ، والنذر لا يبطل منه إلا ما خالف حكم الله وكتابه ؛ بل الشروط في حقوق العباد أوسع من النذر في حق الله ، والالتزام به أوفي من الالتزام بالنذر . أ ـ هـ

4 ـ أن بيع العربون فيه من الفوائد ما يمنع احتكار السلعة على المشتري ، فلو عدل المشتري عن شراء السلعة وكسد سوقها وقعت الخسارة على صاحبها ، والمشتري ليس عليه شئ .

5 ـ يعمد كثير من التجار سواء تجار الفواكه أو الخضر إلى حجز السلعة بعربون ما ، ثم ينظر في السوق فإن كانت السلعة رائجة ورابحة اشتراها ، وإن كانت كاسدة تركها وقد مر عليها أيام ، وهذا إهدار لوقت صاحب السلعة وضياع فرص عرضت عليه بسبب حجزها . فبيع العربون يمنع المشتري من الإضرار بالغير .

6 ـ في كثير من الأحيان ما يخفض ثمن السلعة بعد أيام من بيعها ؛ وبهذا يضطر التاجر إلى المساومة عليها من جديد ونقض البيع الأول ، وإلا ترك السلعة ، وبذلك يعرض صاحبها لخسارة محققة . فبيع العربون يمنع مثل التلاعب من التجار .

7 ـ العربون إن أخذه صاحب السلعة بعد نكس التاجر من حقه كشرط جزائي وقع عليه ، وليس من أكل أموال بغير عوض كم يظن البعض .

8 ـ قال الدكتور ماجد أبورخية في كتابه (حكم العربون في الإسلام ص23 ، 24) :

والذي يبدو لي ـ والله أعلم ـ أن التعامل بالعربون بيعا وإجارة جائز ، وأن ما ذهب إليه الحنابلة أولى بالأخذ والاعتبار ، وإن كنت أرى أن الأولى هو قيام آخذ العربون برده إذا نكل الطرف الآخر ، لأن الرد إقالة عثرة ، وقد حبب إلينا الشارع الحكيم إقالة العثرات ، فقد ورد ٍعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ (12)

ولأن في رد العربون إلى الناكل خروج من الخلاف وأخذ بالاحتياط وهو أسلم لدين المسلم .

وقد ذهبت إلى اختيار هذا الرأي للأسباب الأتية:

1 ـ لأن أدلة المانعين ليست قوية ، وليست كافية في إثبات الحرمة ، وبالتالي فإن حظر التعامل بالعربون ليس ثابتا .

2 ـ ولأن الوقائع التي ذكرها الحنابلة مستدلين بها على جواز العربون هي وقائع يمكن الاستدلال بها لمذهبهم لوجود الشبه القوي بينهما وبين البيع أو الإجارة بالعربون .

3 ـ من المعروف أن العربون هو وثيقة ارتباط بين الطرفين ـ البائع والمشتري ، والمؤجر والمستأجر ـ والبائع إنما يلجأ لأخذ العربون من أجل حفظ حقه حتى لا يقع ضحية الغرر الناتج عن نكول المشتري عن الشراء ، والأمر الذي يؤدي إلى تفويت الفرص على البائع وإلحاق الضرر به ، وقد يؤدي إلى كساد الشئ المبيع فيما لو فات موسمه إذا كان المبيع موسميا .

واعتقد أن قواعد الشريعة لا تمنع احتياط الإنسان لنفسه في مثل هذه المسائل ، وإن اشتراط البائع لنفسه ـ وخاصة في مثل أيامنا هذه التي فسدت فيها الذمم وخربت فيها الضمائر ، وكثرت فيها أنواع النصب والاحتيال ، وساءت فيها المعاملة ـ أمر يقره الشرع ولا يأباه ، وقد روى البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: مقاطع الحقوق عند الشروط . (13)

ويؤيد هذا ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله r قال: المسلمون عند شروطهم .

4 ـ إن هذا النوع من التعامل قد شاع بين الناس وجرى عليه العرف ، والمعروف عند الفقهاء أن العرف معتبر ، وإن في اعتباره رفعا للحرج .

يقول أستاذنا مصطفى الزرقا: (14)

إن النظر في نصوص الفقهاء ينبئ بأن العرف العملي في ميدان الأفعال العادية والمعاملات المدنية له السلطان المطلق والسيادة التامة في فرض الأحكام وتقييد آثار العقود وتحديد الالتزامات على وفق المتعارف ، وذلك في كل موطن لا يصادم فيه العرف نصا تشريعيا ، فالعرف عندئذ يعتبر مرجعا ومنبعا للأحكام ، ودليلا شرعيا عليها حيث لا دليل سواه من النصوص التشريعية الأساسية ، فقد قال الإمام السرخسي في"المبسوط": والثابت بالعرف كالثابت بالنص . (15)

* مناقشة أدلة المانعين:

استدل المانعون لبيع العربون بالآتي:

1 ـ حديث: نهى النبي r عن بيع العربون

وقد ذكرنا ضعفه فلا تقوم به حجة ولا استدلال .

2 ـ قال المانعون: هو محرم لأن فيه شرط فاسد

قلنا: الشرط الفاسد في المعاملات هو: ما أحل حراما وحرم حلالا

وشرط العربون ليس فيه ذلك ، وإنما هو شرط جزائي على المشترى جزاء نكوله عن الشراء وتعريض سلعة البائع للكساد أو الخسارة ، وحتى لا يطمع الناس في أموال بعضهم البعض نتيجة الطمع في الربح على حساب الغير .

3 ـ قالوا: أن بيع العربون فيه تغرير بالمشتري والغرر محرم .

قلنا: الغرر هو أن يبيع له شئ غير معلوم الموصفات أو القدر

قال القرطبي في تفسره (4/392) في معنى الغرر:

وهو ما كان له ظاهر بيع يغر وباطن مجهول . أ ـ هـ

وبيع العربون ليس فيه شئ من الجهالة ؛ إنما هو بيع معلوم بسعر معلوم على سلعة معلومة .

وإذا اتفق البيعان على البيع ثم نكس المشتري وقد كسدت السلعة ، فما هو الضمان ؟!

فببيع العربون يمنع وقوع الغرر من المشتري ، ويضمن لصاحب السلعة حقه .

* جملة فتاوى في بيع العربون (16)

الفتوى الأولى:

المصدر: مجموعة فتاوى الهيئة الشرعية شركة الراجحي المصرفية للاستثمار قرار رقم ( 99 ) السؤال:

ما حكم استلام دفعة مقدمة من العميل بعد الموافقة على طلبه لشراء سيارة ففي حال تخلفه عن إجراءات إتمام بيعها عليه هل يجوز أن تباع علي عميل آخر ؟ وما حكم هذه الدفعة التي قدمها هل ترد عليه أم هي ملك للشركة ؟

الجواب:

إن كلمة ( الموافقة ) على بيع السيارة للعميل فيها إجمال يحتاج إلى تفصيل ليتضح الحكم في ذلك فإن كانت الموافقة المشار إليها في السؤال تعني أنه قد تم التفاوض بين الشركة وبين العميل على شراء السيارة بمعرفة السعر وطريقة الدفع وسائر الإجراءات التي تتبع لعقد البيع ولم يصدر الإيجاب والقبول

فهذه الصورة ليست بيعا وليس المبلغ الذي دفعه العميل عند مفاوضته مع الشركة في الشراء عربونا فللشركة الحق في أن تبيع السيارة على عميل آخر ويبقى المبلغ الذي دفعه في ذمة الشركة له حق طلبه متى شاء

أما إن كانت الموافقة الواردة في السؤال تعني أن العميل قد اشترى السيارة من الشركة بصدور الإيجاب من الشركة والقبول من المشتري وبقي إجراءات توثيق البيع فقط فلا يخلو الأمر بالنسبة للدفعة التي قدمها العميل إما أن تكون عربونا لها حكم العربون في ضياعها على المشترى في حال عدوله عن الشراء في مدة خيار يجري الاتفاق على تحديدها بين الطرفين أو لا يتفق على اعتبارها عربونا فتعتبر جزءا مقدما من الثمن والبيع منجز بلا خيار

فإن كانت عربونا وكان بين الطرفين مدة خيار فللشركة بعد انتهاء مدة الخيار فسخ البيع والتصرف في المبيع من سيارة أو غيرها والعربون لها لقاء حجزها المبيع ثم عدوله عن الشراء بتخلفه عن إقرار إنفاذه في مدة الخيار

وأما إذا لم يكن بين المشترى والشركة خيار لمدة معينة وأن البيع قد تم منجزا فإن المبيع يبقى للمشترى والدفعة التي دفعها جزء من الثمن وللشركة أن تطالب بإتمام إجراءات توثيق البيع وفي حال تهربه فللشركة الحق أن ترفع القضية للمحكمة الشرعية لتحكم فيها بما يقتضيه الوجه الشرعي نحو مطالبتها بثمن المبيع وتسلم المشتري ما اشتراه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت