ومن أكل المال بالباطل بيع العربان ، وهو أن يأخذ منك السلعة أو يكترى منك الدابة ويعطيك درهما فما فوقه على أنه إن اشتراها أو ركب الدابة فهو من ثمن السلعة أو كراء الدابة ، وإن ترك ابتياع السلعة أو كراء الدابة فما أعطاك فهو لك ، فهذا لا يصلح ولا يجوز عند جماعة فقهاء الأمصار من الحجازيين والعراقيين ؛ لأنه من باب بيع القمار والغرر والمخاطرة وأكل المال بالباطل بغير عوض ولا هبة ، وذلك باطل بإجماع . (9)
وبيع العربان مفسوخ إذا وقع على هذا الوجه قبل القبض وبعده ، وترد السلعة إن كانت قائمة ، فإن فاتت رد قيمتها يوم قبضتها ، وقد روى عن قوم منهم ابن سيرين ومجاهد ونافع بن عبد الحارث وزيد بن أسلم أنهم أجازوا بيع العربان على ما وصفنا ، وكان زيد بن أسلم يقول: أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال أبو عمر: هذا لا يعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه يصح ؛ وإنما ذكره عبد الرزاق عن الأسلمي عن زيد بن أسلم مرسلا ، وهذا ومثله ليس حجة ، ويحتمل أن يكون بيع العربان الجائز على ما تأوله مالك والفقهاء معه ، وذلك أن يعربنه ثم يحسب عربانه من الثمن إذا اختار تمام البيع ، وهذا لا خلاف في جوازه عن مالك وغيره . أ ـ هـ
ـ مذهب الأحناف وأهل الرأي
جاء في كتاب (فتاوى السفدي(10) : 1/467 ،473) في ذكر أنواع البيوع الفاسدة:
والثاني والعشرون: بيع العربان ، ويقال: الإربان:
وهو أن يشتري الرجل السلعة ، فيدفع إلى البائع دراهم على أنه إن اخذ السلعة كانت تلك الدراهم من الثمن ، وان لم يأخذ فيسترد الدراهم . أ ـ هـ
ـ مذهب الشافعية:
قال الإمام النووي في (المجموع شرح المهذب: 9/317) بعد تعريفه اللغوي للعربون:
وهو أن يشتري شيئًا ويعطي البائع درهمًا أو دراهم ويقول إن تم البيع بيننا فهو من الثمن ، وإلا فهو هبة لك ، قال أصحابنا: إن قال هذا الشرط في نفس العقد فالبيع باطل ، وإن قاله قبله ولم يتلفظا به حالة العقد فهو بيع صحيح ، هذا مذهبنا ، وقد ذكر المصنف المسألة في «التنبيه» ولم يذكرها في «المهذب» فرع في مذاهب العلماء في بيع العربون قد ذكرنا أن مذهبنا بطلانه إن كان الشرط في نفس العقد ، وحكاه ابن المنذر عن ابن عباس ، والحسن ومالك وأبي حنيفة ، قال: وهو يشبه قول الشافعي ، قال: وروينا عن ابن عمر وابن سيرين جوازه ، قال: وقد روينا عن نافع بن عبد الحارث أنه اشترى دارًا بمكة من صفوان بن أمية بأربعة آلاف ، فإن رضي عمر فالبيع له وإن لم يرض فلصفوان أربعمائة ، قال ابن المنذر: وذكر حصول بن حنبل حديث عمر فقال: أي شيء أقدر أقول ؟ هذا ما ذكره ابن المنذر ، وقال الخطابي: اختلف الناس في جواز هذا البيع فأبطله مالك والشافعي للحديث ، ولما فيه من الشرط الفاسد والغرر ، وأكل المال بالباطل ، وأبطله أيضًا أصحاب الرأي ، وعن عمر وابن عمر جوازه ، ومال إليه أحمد بن حنبل ، والله سبحانه وتعالى أعلم .أ ـ هـ
* القول الراجح في بيع العربون
مما سبق ذكره يتبين الآتي:
1 ـ كل من الفريقين اعتمد على حديث لا تقوم به الحجة لضعفهما
2 ـ أن الفريق المجيز معه من الصحابة عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن عمر ، ومن التابعين ما ذكرنا .
والفريق الثاني: ليس معه من الصحابة من يقول بالمنع .
فهنا يقدم قول الصحابي على أي قول آخر ما دام فقد الدليل في المسألة .
3 ـ فمن هنا الراجح هو جواز بيع العربون .
الأدلة على جواز بيع العربون:
1 ـ قوله تعالى: ( وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا) (البقرة: من الآية275)
وهذه الآية عموم في كل أنواع البيع إلا ما خرج بدليل صريح من الكتاب أو السنة ولا نجد دليلا صحيحا في حرمة بيع العربون ، فبقي البيع على أصله ، أي هو مباح لذاته .
2 ـ حديث زيد بن أسلم المرسل ، وهو كما قدمنا ؛ أنه مرسل حسن إلى زيد بن أسلم .
حكم العمل بالمرسل:
اختلف أهل العلم في جواز العمل بالحديث المرسل على النحو التالي:
ـ مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد: الاحتجاج بالمرسل والعمل به .
ـ مذهب جمهور المحدثين وجماعة من الفقهاء: عدم الاحتجاج به .
ـ مذهب الشافعي: الاحتجاج به بشروط:
أ ـ أن يروى من طريق آخر مسند ، ولو ضعيف
ب ـ أو أن يكون له مرسل آخر
ج ـ أو يكون عمل به صحابي أو تابعي
د ـ أو بعمل أهل العصر الذي ذكر فيه
هـ ـ أو يعضده قياس قوي
و ـ أو لم يكن في بابه سواه
قال النووي في (شرح مسلم: 1/30) :
مذهب الشافعي والمحدثين أو جمهورهم وجماعة من الفقهاء أنه لا يحتج بالمرسل ومذهب مالك وأبى حنيفة وأحمد وأكثر الفقهاء أنه يحتج به ومذهب الشافعي أنه إذا انضم إلى والجواب ما يعضده احتج به وذلك بأن يروى أيضا مسندا أو مرسلا من جهة أخرى أو يعمل به بعض الصحابة أو أكثر العلماء . أ ـ هـ
ـ وقال السخاوي في (التوضيح الأبهر لتذكرة ابن الملقن ص 14 ) :
واعلم أن المرسل حجة عند أبي حنيفة ومالك ومن وافقهما ، كذا إن اعتضد عند الشافعي ، والجمهور بمجيء آخر أخذ مرسله العلم عن شيوخ الأول ، ومسند ولو كان ضعيفا ، وبإسناد رواته نفسه له من باب أولى ، إن لم يترجح مرسله بقرينة ، أو قول صحابي أو تبعا التابعين ، فمن يليهم مما قد يعبر عنه بانتشار لم يخالف ، أو يعمل أهل العصر ، أو كثيرين ، أو بقياس ، أو لم يكن في بابه سواه ، وكان المرسل مع كونه من كبار التابعين لا يسند إلا عن ثقة ، ولا يخالف الحفاظ فيما يأتي به ممن الشروط اجتماع الثلاثة فيه دون العواضد الأٌوَل ، فوجود واحد منها يكفي . أ ـ هـ
ومما ذكر يتبين أن مرسل زيد بن أسلم يتوفر فيه عمل الصحابة والتابعين والإمام أحمد ، مع وجود الأصل العام وهو حل البيع ، وعدم صحة دليل المنع .
3 ـ روى أبو داود (3594) والترمذي (1352) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ ) (11)
وهذا الحديث أصل في المعاملات بين الناس بشرط أن لا يحل الشرط حراما أو يحرم حلالا .
وبيع العربون من الشروط التي رضيها المسلمون كجزاء نكث البيع
قال ابن القيم في ( أعلام الموقعين: 3/389) فيما يجوز من الشروط:
وروى سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عبد الرحمن بن فروخ ، عن نافع بن عبد الحارث عامل عمر على مكة أنه اشترى من صفوان بن أمية دارا لعمر بن الخطاب بأربعة آلاف درهم ، واشترط عليه نافع إن رضى عمر فالبيع له ، وان لم يرض فلصفوان أربعمائة درهم .
ومن ههنا قال الإمام احمد: لا بأس ببيع العربون ؛ لأن عمر فعله ، وأجاز هذا البيع طاعة فيه: مجاهد ومحمد بن سيرين وزيد بن اسلم ونافع ابن عبد الحارث .
وقال أبو عمر: وكان زيد بن اسلم يقول أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وذكر الإمام أحمد إن محمد بن مسلمة الأنصاري اشترى من نبطي حزمة حطب ، واشترط عليه حملها إلى قصر سعد ، واشترى عبد الله ابن مسعود جارية من امرأته وشرطت عليه أنه إن باعها فهي لها بالثمن .
وفي ذلك اتفاقهما على صحة البيع طاعة ، ذكره الإمام احمد ، وأفتى به .
والمقصود: أن للشروط عند الشارع شأنا ليس عند كثير من الفقهاء ؛ فإنهم يلغون شروطا الشارع ويفسدون بها العقد مفسدة تقتضي فساده ، وهم متناقضون فيما يقبل التعليق بالشروط من العقود ، وما لا يقبله فليس لهم ضابط مطرد منعكس يقوم عليه دليل .
فالصواب: الضابط الشرعي الذي دل عليه النص: أن كل شرط خالف حكم الله وكتابه فهو باطل ، وما لم يخالفه حكمه فهو لازم .